الشأن الإسبانيتقارير
أخر الأخبار

بين السياسة والذاكرة.. هل تحكم الخلفية الثقافية مقاربة سانشيز تجاه المغرب؟ “تقرير إسباني”

يستحضر التحليل نشأة سانشيز في حي “تطوان” بالعاصمة مدريد، وهو حي يحمل دلالة رمزية مرتبطة بالذاكرة المغربية، ما جعله، بحسب التقرير، ينفتح مبكراً على تمثلات ثقافية تتجاوز الإطار المحلي الضيق..

في قراءة تحليلية أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية، تناولت صحيفة La Razón  الإسبانية الخلفيات الفكرية والثقافية التي قد تفسر طبيعة العلاقة التي نسجها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز مع المغرب، معتبرة أن هذه العلاقة تتجاوز حدود البراغماتية السياسية نحو أبعاد رمزية وتاريخية أعمق.

التقرير يذهب إلى أن مقاربة سانشيز تجاه الرباط لا يمكن فهمها فقط من خلال المصالح الاستراتيجية المرتبطة بالأمن والهجرة والاقتصاد، بل ينبغي ربطها أيضاً بتكوينه الشخصي ونظرته الخاصة لتاريخ إسبانيا وهويتها.

ففي هذا السياق، يستحضر التحليل نشأة سانشيز في حي “تطوان” بالعاصمة مدريد، وهو حي يحمل دلالة رمزية مرتبطة بالذاكرة المغربية، ما جعله، بحسب التقرير، ينفتح مبكراً على تمثلات ثقافية تتجاوز الإطار المحلي الضيق.

ويشير الطرح ذاته إلى أن هذا البعد الرمزي لم يكن مجرد تفصيل عابر في طفولة سانشيز، بل تحول مع الوقت إلى جزء من رؤيته للعالم، حيث يُنسب إليه، خلال سنوات شبابه، ميل إلى استحضار الهوية “الموريسكية” كامتداد ثقافي موازٍ للهوية الإسبانية التقليدية، في تعبير عن رغبة ضمنية في إعادة قراءة التاريخ خارج السرديات الكلاسيكية.

في مستوى أعمق، يربط التحليل توجهات سانشيز بما يُعرف بتيار “النهضوية” (Regeneracionismo)، وهو اتجاه فكري داخل الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، تبناه في فترات سابقة قادة بارزون مثل فيليبي غونزاليس وخوسيه لويس ثباتيرو.

هذا التيار يعيد النظر في تاريخ إسبانيا، خصوصاً مرحلة “الاسترداد” (Reconquista)، معتبراً أنها لم تكن فقط لحظة توحيد سياسي، بل أيضاً نقطة تحول أنهت حقبة من التعدد الثقافي والديني الذي ميّز الأندلس.

من هذا المنظور، تبدو سياسات سانشيز، وفق القراءة ذاتها، وكأنها جزء من رؤية تسعى إلى إعادة التوازن للهوية الإسبانية عبر الاعتراف بمكوناتها التاريخية المختلفة، بما فيها البعد الإسلامي.

ويتجلى ذلك، حسب التحليل، في مواقفه الداعمة لسياسات الاندماج، وانفتاحه على الهجرة، إضافة إلى اختياراته الرمزية التي تعكس فهماً مدنياً وعلمانياً لممارسة السلطة.

في هذا السياق، يبرز المغرب كعنصر محوري في هذه المعادلة، ليس فقط كشريك استراتيجي في جنوب المتوسط، بل كفضاء رمزي يعكس، في نظر هذا التيار، امتداداً تاريخياً وثقافياً لإسبانيا.

وتشير القراءة إلى أن زيارات سانشيز المتكررة لمدن مثل مراكش وطنجة تحمل، إلى جانب بعدها العائلي، دلالات مرتبطة بالبحث عن استمرارية تاريخية مع الإرث الأندلسي.

كما يعيد التقرير التذكير بأن هذا التوجه ليس معزولاً داخل التجربة الاشتراكية الإسبانية، بل يجد جذوره في مواقف سابقة لقادة الحزب.

فقد ارتبط اسم ثباتيرو بمبادرة “تحالف الحضارات”، التي سعت إلى تعزيز الحوار بين الثقافات، بينما عُرف غونزاليس بعلاقته الخاصة بالمغرب، خصوصاً بمدينة طنجة، التي اعتبرها فضاءً قريباً من وجدانه الشخصي.

ومع ذلك، لا تخلو هذه القراءة من جدل، إذ يرى منتقدوها أنها تميل إلى تحميل البعد الثقافي أكثر مما يحتمل، متجاهلة العوامل الواقعية التي تحكم السياسة الخارجية، من مصالح اقتصادية إلى اعتبارات أمنية. غير أن أنصار هذا الطرح يعتبرون أن فهم سلوك القادة لا يكتمل دون استحضار خلفياتهم الفكرية والرمزية.

في المحصلة، تطرح هذه المقاربة سؤالاً أعمق حول حدود التداخل بين السياسي والثقافي: هل يمكن أن تكون السياسات العمومية امتداداً لرؤية تاريخية وهووية معاد تشكيلها؟ أم أن ما يبدو “نزوعاً ثقافياً” ليس سوى إعادة صياغة ذكية لمصالح تقليدية بلغة جديدة؟ بين هذين الاحتمالين، تستمر العلاقة بين مدريد والرباط في إثارة الاهتمام، باعتبارها نموذجاً معقداً لتقاطع التاريخ بالجغرافيا، والذاكرة بالسياسة.

https://anbaaexpress.ma/nprl2

عبد الحي كريط

باحث وكاتب مغربي، مهتم بالشأن الإسباني، مدير نشر أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى