آراءمجتمع

المتغيرات النيلية للسودان الشمالي (2- 4)

الشيلة والشبكة

الشيلة عبارة عن ملابس جاهزة أو قابلة للتطريز والتجهيز معها أدوات الدلكة والَّلخوخة وزيت الكركار المستخلص من شحوم البهائم والمغلي في القدور أو الكناتيش / الكناتيش مفردها الكنتوش إناء فخاري يطبخ فيه المرق / حتى يصير سائلاً خفيفاً ، والمعطونة بالمحلبية والمجموع قديماً ، المتغير اليوم بأدوات المكياج من المنكير والبُدْرة والكريمات ومصففات الشعر والعطور وما أشبه من مسميات العصر حديثاً من ناحية.

وأطعمة جافة أو مواداً تموينية كالدقيق والويكة والبصل والبُهَارَات والسُكَّر والزيت والسمن البلدي والصابون والشعيرية والمعكرونة والسُكْسُكَانية وجوالات الفحم وخروف أو خروفين وما إلى ذلك؛ من ناحية ثانية؛ لمقابلة تكاليف الزواج .

الشَبْكَة عبارة عن مصوغات ذهبية مثل خاتم الزواج خلاف دبلة الخطوبة والغوايش أو الأساور والساعة والحَلَق والسِلْسِل وحِجِل ذهبي يوضع فوق القدم وأسفل الساق مباشرة على شكل طقم كامل .

وقد خالف بعض الناس هذه العادات بالذَّات وهم الإخوان الجمهوريون بتخفيض التكاليف للحد الأدنى من العُرف المسنود بالسُنَّة النبوية تنظيراً وتطبيقاً فقد جعلوا قيمة المهر واحد لعشرة جنيهات وأن تكون الشيلة والشبكة بقسميها بدون مراسم أو مظاهر احتفالات أي بين الزوجين فقط؛ وهذا أفضل من التبذير وخروج العُرْفِ عن اللباقة والمسؤولية لحيز التفاخر والتباهي وقلة البركة ومفارقة السُنَّة النبوية المطَهَّرة بلا شك.

حَبْسُ العروس

عادة؛ في مراسم طقوس الزواج بعد إعلان الخِطْبة رسمياً تُحَضَّر الفتاة العروس – وبهذه المناسبة؛ تطلق لفظة ” العروس ” للرجل وللمرأة من ناحية اللغة العربية وفي عاميتنا السودانية نقول للرجل العريس وللمرأة العروس – قبل الزواج بفترة طويلة يُتعهد إليها فيها بالتغذية المستمرة من جميع المأكولات ما لذَّ وطاب وكانوا يطبخون لها مع الثريد والقديد أكواباً معتبرة من شراب ” النِشاء ” المكوَّن من دقيق الفتريتة المطحون بالطاحونة البلدية في المنطقة بالسوق ورُبَّما طحنوه أو سحنوه بالمطحنة المثبتة في التُكُل أي : المطبخ، المكوَّنة من حجرين عظيمين مثبَّتان على الأرض وتعرف بـــــ ” المُحْرَاكَة “وأصلها من الحركة والتحريك عبر المقبض الطويل في وسطها لطحن وسحن دقيق الذرة الذي يوضع بين الحجرين الكبيرين وهو معروف منذ القِدَم عند العرب وأغلب الشعوب العربية تعرفه، لسهولة عجنها وأكلها فيما بعد مع قليل من التخمير بعد إضافة الماء إليها وتركها مُدَّة من الزمن للتخمير بعد إحكام غلقها إمَّا بقماش خفيف وإمَّا بقفل حديدي مخصوص، ويوضع في النار حتى يغلظ وينضج ثم يوضع بعدها في مكان بارد هذا قبل دخول الثلاجات والمبردات الحديثة في عصر الحداثة اليوم؛ كأن توضع تحت ” المَزْيَرَة ” وهي الأواني الفخارية المصنوعة من الطين المحروق المجلوب من شاطئ النيل؛ وتُملأ بالماء فيستفاد من نقاطها المُتسرِّبَة من مسامات الفخار أسفلها مع حركة الهواء في كل الاتجاهات أو حسب موضعها وتعرضها للهواء بغرض التبريد ؛ وتسمي بـــــ ” النُقَّاعَة ” ولا بأس بأن تضع كوباً تحت المزيرة – المزيرة جمع؛ مفردها زير – لتجميع النُقَّاعَات للشراب وشرابها بارد لذيذ وشهي جميل وصحي بلا ريب خصوصاً أوقات الصيف بعد عطش شديد.

هذا ! تُبَرَّد العجينة المستوية ويضاف إليها قليل من السُكَّر والماء بغرض الزيادة وتخفيف الغلظة التي بها وحبَّذا إذا كانت مخلوطة بالخلاطات الحديثة التي تعمل بالكهرباء، لكنها قديماً تخلط وتحرَّك بواسطة ” المُفْرَاكَة ” جيداً؛ والمفراكة أداة اسم آلة، وأصلها من فَرَكَ أي : حرَّك وقلَّب ما في القِدْر ليستوي من جميع أطرافه؛ وإذا كان الوضع المادي جيداً رُبَّما وضعوا على الكوب قليل من مكسرَّات الثلج المجلوب من السوق أو من الجيران الذين يمتلكون آلة العصر وهي المبردات الكهربائية كالثلاجة مثلاً أو الكولدير ؛ فتشرب العروس هذه النِشَاء عُدَّةُ مرَّات في اليوم والليلة

هناك مشروب بلدي آخر وهو عجينة ” الحِلو مُر ” وتسمي بالبلدي بـــ ” الكُرَّارَة ” المستخلصة من ذات العجينة السابقة بعد إضافة البُهارات ” التوابل عدا الشطة ” إليها وهذه لا توضع في القِدْرِ بل هي ما يلصق من العجين أثناء العِواسة في أداة العِواسة وتعرف بـــ ” القَرْقَرِيبَة ” والقرقريبة عبارة عن قطعة خشبية صغيرة خفيفة ورقيقة مربعة أو مستطيلة يسهل مسكها وتحريكها في صاج العِوَاسَة مقطوعة من لحاء الشجر ، والكُرَّارَة مخبوزة من الكسرة الغليظة الشبه مستوية وهي ألذُّ من الأولى ” النِشَاء ” بكثير جداً وأفيد صحياً ؛ ثم يلحق بها شربات الليمون؛ قال المجذوب :
ومن يرم مودتنا فنحن * ليمون وماء وثلج وسكر
يريد شربات الليمون ، وهو لذيذ للغاية ويعتبر من المشروبات البلدية الفخمة والمعتبرة قديماً حتى الآن ولم يتأثر بالعولمة فيما أظن.

تُحْبَسُ الفتاة العروس في حجرة داخل بيتها وربَّما في بيت الجيران مخافة أن يراها الناس لفترة محدودة من الوقت وهي بعد الاتفاق على مواعيد عقد القِران وحتى لحظة الدُخْلَة في مناسبة فرح وبهجة من طرفي الزوجين.

أثناء فترة الحبس هذه يؤخذ بالعروس ما يعرف بتبييض وتنعيم الجسم أو البشرة من المساحيق البلدية الصنع مثل ” الدِلْكَة ” / أو ” الَّلخوخة ” المصنوعة من ذات العجينة ، وأصلها من لخَّ واللَّخُ هو نوع من العجن بغرض التدليك ذاته بالتمرير على الجسد مثلاً ، وفي بعض الأحيان يستخدمن مسحوق التُرمُس المضاف بالماء ويمسحن به الوجه واليدين والساقين /  المصنوعة من العجين المختمر الذي يوضع بالساعات الطويلة في قدح من الحديد مثل الصاج أو القدح الذي يُتناول به الطين للبناء على فحم شديد الحرارة  وتُضاف لهذه العجينة بعض العطور محلية الصنع ورُبَّما طُلبت لجودتها من بلاد الهند مثل الصندلية والسُرَّتِيَة والمجموع والمحلبية ، ورُبَّما القرنفل وتُقلَّب جميعها في النار بالصاج حتى تنشف ولها رائحة ونكهة ذكية تُعرف من بعيد لمن يشُمَّها؛ وتُعتبر متى جفَّت أو مالت للجفاف أنَّها صالحة للاستعمال فيُدلك بها جسد العروس قبل الدخلة وبعدها طيلة فترة شهر العسل وربما يستعملها الزوج فيما بعد.

عملية الدلك بالدِلْكَةِ هي ما يُعرف حديثاً بـــــــ ” الميساج ” الذي أُفتتح له اليوم دُور كثيرة في كل أطراف المعمورة وبالذَّات في بلاد السودان؛ وقد أنشد المنشد :
المحلب الدَقَنُّه ( يعني سحن وطحن )
فوق الرَّبِعْ خُتَّنُّه ( يعني ضعنه )
يا المجربين فُرْقَ الحبيب كيفنه ( أي : كيف هو ، يريد ألم الفِراق للمحبوب )
وقال الآخر :
يا السُرَّتِي أم حِبَاكَا
الجاتْ فوقَ النَّاس تتبَاكَا
إن جاني الموت ما يكفوني بلاكَا ( يعني بدونك )
وقد غلبت آلة العصر الحديث مما ذهبنا إليه في تغيير مسحوق الدلكة والَّلخوخَة الطبيعية البلدية الصنع إلى الكريمات المستوردة كالفليردمور والعطور الباريسية وإن كان الفعل والغرض واحداً لكن تظل الأصالة والمصنوعات البلدية أحب إلى لناس من المستورد بقدر كبير.

القيدومة أو الحِنَّاء أو الخِضاب

بعد انقضاء فترة الحبس وحين أوان ليلة الاحتفال يسبقها ما يسمى بـحِنَّة العريس وحِنَّة العروسة فيجتمع أهل وأصدقاء ومعارف كل طرف لوحدهم في منزل أحدهم أو في منزل الزوج أو الزوجة ما لم تتعدد الدعوات لإقامة حفل الحِنَّة من مقربي العروسين؛ والحِنَّة تعرف عندنا في عاميتنا السودانية بـــــــ ” القيْدُومَة ” ويُشرع بعجنها قبل وقت كافي من استعمالها ؛ وتُصنع من مسحوق صفق شجرة الحِنَّاء الناشف المنتشرة بكثرة في السودان بإضافة الماء حتى تصير طرية لحدٍ ما؛ ورُبَّما كان معها الشمعة والشمعتين أو أكثر وتوضع على القدمين واليدين / ومنهم من يجعلها على لحيته وشعر رأسه يصبغ بها الشيب / لمدة معينة من الزمن أقلَّاها ساعتين ونصف لثلاث ساعات حتى تُزال ويُستعان على تماسكها بوضع قليل من سائل المحلبية أو السُرَّتِيَة أو المجموع ذي النكهة الرائعة ؛ فتحْمَرُّ منها اليدين والقدمين أول الأمر ثم تأخذ في السواد رويداً رويداً وما زال هذا دأبها ودأبهم معها حتى ليلة الدخلة.

ظاهرة الحِنَّاء السودانية؛ انتشرت واشتهرت في كل العالم انتشاراً كبيراً وقد تفننت فيها النسوة كل تفنن بعمل النقش والرسومات على الساعدين حتى المنتصف والساقين عند المنتصف أيضاً بشتى أنواع الفنون والرسومات مع إضافة الصبغة غير السامَّة بغرض الالتصاق أطول فترة ممكنة على موضعها بل وصير بها نحو التجارة لغير السودانيين من دول الخليج والوطن العربي ومصر الشقيقة بالتحديد في شارع الغوريا بوسط البلد والكورنيش بشاطئ النيل وكل تجمعات السودانيين بمصر والدول المذكورة بغرض الزينة والموضة ونشر ثقافة محلية لغيرهم من شعوب العالم كله فصارت ميزة قيمة وعادة متبعة تعدَّت المحلية للعالمية.

في جلسة الحِنَّاء لا تخلو من طرب وترف وطعام وشراب ورقص وغناء وزغاريد يتخللها البخور الذكي الرائحة الذي يعلو المكان كله؛ ويكون من خشب شجر الصندل والمندل المشقق شرائحاً صغيرة توضع على الجمر في إناء يسمى بـــــ ” المُبْخَرْ” المصنوع من الفُخَّار من ذات طينة الأزيار سابقة الذكر والمعطَّر والممزوج بالروائح المحلية الصنع المشار لها آنفاً.

وبهذه المناسبة؛ بخور شجر الصندل والمندل معروف قديماً عند العرب فقد انتقلت ثقافته منهم إلينا ووصلت السودان منذ القِدم وصار معمولاً بها حتى اليوم ، وعندنا تستخدم النساء والمتزوجات بالتحديد من أجل الزينة ما يعرف بـــ ” الدُخَّان ” لتعطير الجسم ، ويستعملن فيه حطب شجر الطلح والشاف ذواتا الرائحة الزكية للغاية فيضعن عليه الجمر للإحتراق بوضعه في حفرة مخصوصة في مكان قصي من البيت وبعيد عن أعين الناس تعرف بـــ ” حفرة الدُخَّان ” ذات عمق لا يتجاوز الخمسين سنتمتراً ، وتُحاط الحفرة الصغير بما يعرف بــــ ” البِرِش ” وهو عبارة عن سجادة مصنوعة ومنسوجة يدوياً من سعف النخيل وجريده / هناك أنواع أخرى من البروش تستعمل في الصلاة مثلاً ومنها ما يوضع على العنقريب بدلاً عن الملاءة / بطريقة دائرية لا تتجاوز المتر من مركزها مفتوحة من الوسط لتوافق مقدارها مقدار فتحة الحُفرة التي لا يتجاوز محيطها الثلاثين سنتمتراً وتجلس عليها كلية فيخرج دخانها النافذ القوي الزكي منها فيملأ المكان ويملأ جسد الفتاة حد الاختناق وحتى يتغير لونها ويميل للسواد بعد تجردها من كل ملابسها فتغطي نفسها بقطعة مخصوصة تعرف بــــ ” بطانية الدُخَّان ” لتسترها وعورتها وهي مما تثير الرغبة الجنسية للزوجين كما يقولون.

هذا ! أثناء طقوس الحِنَّاء يتم وضع ” الحَرِيْرَةُ ” على إحدى اليدين أو كليهما وهي عبارة عن سوار مصنوع من الحرير وجاءت التسمية من هنا ، و” الضَرِيْرَةُ “على مقدمة الرأس والمصنوعة من ذات المواد السابقة لعجينة الدلكة إلى جانب سبحة ” اليَسُرْ ” التي تعلَّق على الرقبة؛ وتتكون من حبيبات خرزية ملونة دائرية الشكل ويغلب عليها اللون الأسود؛ وربما تُنثر العطور والورود على العريس أو العروس وهو مقيد بالحِنَّاء في اليدين والقدمين ولحظة الانفعال والغناء الحماسي يأتيه أحدهم وهو يُبَشِّرُ بيده فوق رأسه وبصوت عالي تسمعه والبعض يردد من خلفه : ” أَبْشِرْ يا عريس أبشر ” يعني البِشارة لك بهذا الزواج السعيد وتراه يتجاوب بيده المُحنَّنة ” أبشر .. أبشر” ويهز يديه فرحاً بذلك؛ قال الشاعر العربي القديم :
لما التقينا بسفح رامة * وجدت بنان العامرية أحمرا
قلت خضبت البنان بعد فراقنا * قالت معاذ الله ذلك ما جرى
ولكني لما رأيتك راحلاً * بكيت دماً حتى بللت به الثرى
ومسحت بأطراف البنان مدامعي * فصارت خِضاباً كما ترى
بعضهن يجعل صنوفاً وأسماء للحناء؛ فالتي تكون على أطراف الأصابع محل الأظافر تسمى ” قِمِّيْعْ ” وفي راحة الكف تسمى ” الكَعْكَةُ ” وفي قبضة الكف كله تسمى الحِنَّة وربما جامل الأصحاب العريس بتحنين مقدمة خنصره فقط ومنهم من يشارك بتحنين كفيِّه الإثنين مؤازرة له ومحبَّة والنساء كذلك.

رقص العريس

يهتم أهل الشريط النيلي برقص الزوج العريس ويعتبر من أولويات طقوس الزواج فيتقدم هو ومقرَّبيه بالرقص فيما يعرف بـــــ ” العَرْضَة ” أو ” رقصةُ الصَقْرِيَّة ” وهي فقرة غناء حماسي وفخر بالقبيلة يتعرضون فيها للجلد بالسياط وهم شبه عُرَاة ما يعرف بـــــ ” البطَّان ” فيُجلد الشباب جلداً مبرحاً جداً وربما تسيل الدماء من ظهورهم ولا يتحركون أثناء الجلد رجولة وفخراً وثباتاً وتُعرف بـــــــ ” الرَكْزَةُ ” كأنهم حين يفعلون ذلك يقدمون قرباناً للزوجة بثبات رجولة الزوج من طرف خفي عن استحقاق لها فيحميها ويذود عنها طيلة حياتهما.

سوط العنج ينسب السوط المصنوع من جلد البقر والملفوف جيداً على شكل شرائح دائرية صغيرة السُمْك ومتوسطة الطول وتتفاوت في السماكة حسب الغرض من الاستخدام؛ والمدهون بالقُطْرَان الأسود لتليينه وتطويعه حال الاستعمال ولسهولة حركته من مقبض اليد المعمولة من الخشب الدائري من فرع الشجر أو الغصن فيلف عليها الجلد بإحكام وعليه زخرفة جميلة للغاية من خرزات السُكْسُكْ الصغيرة جداً؛ لقبيلة العنج السودانية القديمة الجذور التي ما زالت موجودة حتى الآن منذ السلطنة الزرقاء أو سلطنة سِنَّار ( 1505 م – 1821 م ).

( يتبع )

https://anbaaexpress.ma/mx2by

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى