شادي منصور
في التاريخ لحظات تتحول فيها المدن إلى رموز، لا بسبب حجمها أو قوتها العسكرية، بل بسبب قدرتها على الصمود أمام قوة تبدو في ظاهرها لا تُقهر.
هكذا كانت مدينة صور الفينيقية في القرن الرابع قبل الميلاد، عندما وقفت في وجه الإسكندر المقدوني، الذي كان في أوج انتصاراته بعد سقوط الإمبراطورية الفارسية. لم تكن صور مدينة عادية، كانت جزيرة محصنة في البحر، ذات أسوار شاهقة وأساطيل بحرية قوية، ومكانة تجارية وسياسية جعلتها إحدى أعظم مدن الشرق القديم. لذلك تحوّل حصارها سنة 332 قبل الميلاد إلى واحدة من أشهر الوقائع العسكرية في تاريخ العالم القديم.
بعد أن هزم الإسكندر الفرس في آسيا الصغرى وسورية، تقدّم جنوباً على طول الساحل الفينيقي. المدن الواحدة تلو الأخرى أعلنت خضوعها له، إما خوفاً من قوته أو طمعاً في رضاه. غير أن صور اتخذت قراراً مختلفاً.
فقد رفضت أن تسمح له بدخول مدينتها وتقديم القرابين في معبد الإله ملكرت، الذي اعتبره الإسكندر نظيراً لهرقل الإغريقي. بالنسبة للصورين لم يكن الأمر مجرد طقس ديني، كان إعلاناً سياسياً واضحاً بأن المدينة لا تعترف بسلطة الغازي.
هنا بدأ أحد أطول وأعقد الحصارات في التاريخ القديم. كانت صور تقع على جزيرة تبعد نحو كيلومتر عن الساحل، محاطة بأسوار يصل ارتفاعها إلى خمسين متراً، وتحيط بها مياه عميقة تجعل الاقتراب منها مهمة شبه مستحيلة.
لم يكن لدى الإسكندر أسطول بحري قوي في البداية، ولذلك وجد نفسه أمام معضلة عسكرية حقيقية: كيف يهاجم مدينة لا يمكن الوصول إليها براً؟
اختار حلاً جريئاً، بل أقرب إلى الجنون الهندسي. أمر ببناء جسر ضخم أو ردم بحري يصل البر بالجزيرة. استخدم جنوده حجارة المدينة القديمة التي كانت قائمة على الساحل، وبدأوا بمد الطريق داخل البحر.
لكن المدافعين عن صور لم يقفوا مكتوفي الأيدي، فقد هاجموا العمال والسفن، وأحرقوا الأبراج الخشبية التي بناها المقدونيون على طرف الجسر، وأمطروا الجنود بالسهام والنار.
دام الحصار أشهراً طويلة. قاوم أهل صور بضراوة، واستفادوا من أسطولهم، ومن طبيعة مدينتهم البحرية. غير أن ميزان القوى بدأ يتغير تدريجياً. فقد نجح الإسكندر في استمالة عدد من المدن الفينيقية الأخرى التي كانت قد خضعت له، وعلى رأسها صيدون وبيبلوس. ومع انضمام أساطيل هذه المدن إلى جيشه، وجد الإسكندر أخيراً القوة البحرية التي كان يحتاجها لإحكام الطوق حول صور.
هنا دخل عامل الخيانة في المعادلة التاريخية. فبدلاً من أن تتكاتف المدن الفينيقية في الدفاع عن واحدة من أعظم مدنها، اختارت بعض ملوكها الانضمام إلى الغازي الجديد، إما طمعاً في الحفاظ على عروشهم أو خوفاً من مصير مشابه لمصير المدن التي قاومته. وقد سمح هذا التحالف للإسكندر بمحاصرة صور من البحر والبر معاً، وهو ما قلب ميزان المعركة.
بعد نحو سبعة أشهر من الحصار، تمكنت قوات الإسكندر من إحداث ثغرة في الأسوار، واقتحمت المدينة في معركة شرسة. دفع أهل صور ثمناً باهظاً لصمودهم، فقد قُتل الآلاف منهم، واستعبد الكثير. ومع ذلك بقيت قصة مقاومتهم مثالاً تاريخياً على مدينة صغيرة واجهت أعظم قائد عسكري في عصره، ونجحت في تعطيله لأشهر طويلة، في وقت كانت المدن الأخرى تسقط أمامه بسرعة مذهلة.
لكن التاريخ لا يُقرأ فقط بوصفه أحداثاً من الماضي، إنه أيضاً مرآة للحاضر. حين ننظر إلى ما يجري اليوم في جنوب لبنان، نجد صدى بعيداً لتلك الحكاية القديمة. فهذه الأرض نفسها التي شهدت حصار صور قبل أكثر من ألفي عام، تشهد اليوم حرباً مدمرة تستهدف القرى والبلدات والبشر والحجر. مجدداً يقف الناس في مواجهة قوة عسكرية هائلة، ومرة أخرى يتحول الصمود اليومي إلى شكل من أشكال المقاومة التاريخية.
الجنوب اللبناني، بسهوله ووديانه وقراه، ليس مجرد جغرافيا. إنه مساحة من الذاكرة المتراكمة، من الحروب والغزوات والصمود. عبر القرون مرّت جيوش وإمبراطوريات: آشورية، وبابلية، وفارسية، ورومانية، ثم صليبية وعثمانية واستعمارية حديثة. ومع ذلك بقيت هذه الأرض مأهولة بأهلها، وبقيت القرى تعود إلى الحياة بعد كل حرب.
اللافت في المشهد المعاصر أن الصمود لا يتخذ دائماً شكل الأسوار الحجرية أو الأساطيل البحرية كما في زمن صور القديمة. اليوم يتمثل في بقاء الناس في أرضهم، في إعادة بناء البيوت، وفي التمسك بالحياة رغم القصف والخوف والدمار. إنه صمود مدني وإنساني قبل أن يكون عسكرياً.
وإذا كان حصار صور قد كشف في زمنه عن دور الخيانات والتحالفات التي ساعدت المعتدي على تحقيق هدفه، فإن التاريخ الحديث أيضاً لا يخلو من تعقيدات مشابهة، حيث تتداخل المصالح الدولية والإقليمية، وتتحول الحروب إلى مساحات تتصارع فيها القوى الكبرى على حساب الشعوب الصغيرة.
مع ذلك يبقى الدرس الأعمق الذي تقدمه قصة صور القديمة، كما يقدمها الجنوب اللبناني اليوم، هو أن المدن والأرض لا تُقاس فقط بموازين القوة العسكرية. فهناك قوة أخرى أقل وضوحاً، لكنها أكثر رسوخاً: قوة الإرادة الجماعية.
تلك الإرادة التي جعلت مدينة بحرية صغيرة تتحدى الإسكندر سبعة أشهر، وهي نفسها التي تجعل القرى الجنوبية اليوم تقاوم محاولات كسرها أو اقتلاعها.
التاريخ، في نهاية الأمر، لا يتذكر فقط المنتصرين، بل يتذكر أيضاً الذين صمدوا. وربما لهذا السبب ما زال اسم صور حياً في الذاكرة منذ أكثر من ألفي عام، ليس لأنها سقطت في النهاية، بل لأنها قاومت. وفي هذا المعنى، يصبح الماضي مرآة للحاضر: فكما صمدت صور يوماً أمام الإسكندر، يواصل أهل الجنوب اليوم كتابة فصل جديد من حكاية الصمود نفسها.




