تُعَدُّ مُذَكِّراتُهُ الَّتي نُشِرَتْ تَحْتَ عُنْوانِ Memoires of an Anti -Zionist Jew (مُذَكِّراتُ يَهودِيٍّ مُعادٍ لِلصُّهْيونِيَّة – 1976) واحِدَةً مِنْ أَكْثَرِ الشَّهاداتِ الفِكْرِيَّةِ إِثارَةً في تاريخِ الجَدَلِ اليَهودِيِّ الحَديثِ حَوْلَ الصُّهْيونِيَّة.
تَنْبَعُ أَهَمِّيَتُها مِنْ كَوْنِها وَثيقَةً داخِلِيَّةً صادِرَةً عَنْ رَجُلٍ عاشَ في قَلْبِ المُؤَسَّسَةِ الدّينِيَّةِ اليَهودِيَّةِ الأَميرْكِيَّة، وَشَهِدَ مِنْ داخِلِها تَحَوُّلَ الصُّهْيونِيَّةِ مِنْ فِكْرَةٍ سِياسِيَّةٍ مُتَنازَعٍ عَلَيْها إِلى عَقيدَةٍ شِبْهِ مُقَدَّسَةٍ تَفْرِضُ ذاتَها عَلَى الوَعْيِ الجَمْعِي.
كَتَبَ بيرْغِر مُذَكِّراتِهِ مِنْ مَوْقِعِ الشّاهِدِ لا مِنْ مَوْقِعِ الخَصْمِ الخارِجِيّ. فَهُوَ شاهِدٌ خَرَجَ مِنْ صُلْبِ التَّيّارِ الإِصْلاحيِّ اليَهوديِّ الأَميرْكِيّ، وَمِنْ تَجْرِبَةٍ حاخامِيَّةٍ نَشِطَةٍ امْتَدَّتْ عُقودًا. هَذا المَوْقِعُ مَنَحَ نَصَّهُ نَبْرَةً هادِئَةً خالِيَةً مِنَ الخَطابَة، وَنَقَلَ النَّقْدَ مِنْ مُسْتَوى الاتِّهامِ إِلَى مُسْتَوى التَّفْكيك.
اليَهودِيَّةُ كَدِيانَةٍ أَخْلاقِيَّةٍ لا كَقَوْمِيَّةٍ سِياسِيَّة
المِحْوَرُ المَرْكَزِيُّ في مُذَكِّراتِ بيرْغِر يَتَمَثَّلُ في الفَصْلِ الجَذْرِيِّ بَيْنَ اليَهودِيَّةِ وَالصُّهْيونِيَّة، فَفي تَصَوُّرِهِ اليَهودِيَّةُ دِيانَةٌ أَخْلاقِيَّةٌ كَوْنِيَّةٌ تَشَكَّلَتْ عَبْرَ التّاريخِ في فَضاءِ المَنْفى، وَراكَمَتْ مَعْناها مِنَ العَيْشِ بَيْنَ الأُمَم، وَمِنْ تَحْويلِ الغِيابِ الجُغْرافِيِّ إِلى حُضورٍ أَخْلاقِيّ. هَذِهِ الرُّؤْيَةُ تُعْرَضُ كَتَحْليلٍ تاريخِيٍّ لِمَسارٍ دينِيٍّ طَويل.
يَرَى بيرْغِر أَنَّ الصُّهْيونِيَّةَ أَعادَتْ تَعْريفَ اليَهودِيِّ مِنْ كائِنٍ أَخْلاقِيٍّ إِلى كائِنٍ قَوْمِيّ، وَمِنْ حامِلِ رِسالَةٍ إِلى حامِلِ أَرْض. هَذا التَّحَوُّلُ يُعَدُّ انْقِلابًا في جَوْهَرِ الهُوِيَّة. في المُذَكِّراتِ يَظْهَرُ هَذا التَّحْليلُ عَبْرَ أَمْثِلَةٍ دَقيقَةٍ مِنَ الخِطابِ الصُّهْيونيِّ المُبَكِّر، وَمِنَ التَّحَوُّلاتِ الَّتي أَصابَتِ اللُّغَةَ الدّينِيَّةَ ذاتَها حينَ أُعيدَ تَوْظيفُها لِخِدْمَةِ مَشْروعٍ قَوْمِيٍّ حَديث.
مِنَ الاخْتِيارِ إِلى الإِكْراه: كَيْفَ صارَتِ الصُّهْيونِيَّةُ مِعْيارًا
تَسْرُدُ المُذَكِّراتُ مَرْحَلَةَ مَا قَبْلَ قِيامِ دَوْلَةِ إِسْرائيلَ بِاعْتِبارِها لَحْظَةَ تَعَدُّدِيَّةٍ حَقيقِيَّةٍ داخِلَ العالَمِ اليَهودِيّ. الصُّهْيونِيَّةُ كانَتْ تَيّارًا مِنْ بَيْنِ تَيّارات، تُواجِهُ رَفْضًا دينِيًّا وَأَخْلاقِيًّا واسِعًا داخِلَ المُجْتَمَعاتِ اليَهودِيَّةِ الغَرْبِيَّة. يُبَيِّنُ بيرْغِر كَيْفَ تَغَيَّرَ هَذا المَشْهَدُ بَعْدَ عامِ 1948، حينَ انْتَقَلَتِ الصُّهْيونِيَّةُ مِنْ مَوْقِعِ الدِّفاعِ إِلى مَوْقِعِ الهَيْمَنَة.
يَصِفُ بيرْغِر هَذِهِ النَّقْلَةَ بِوَصْفٍ دَقيقٍ يَعْتَمِدُ عَلى تَجْرِبَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ في المُؤَسَّساتِ الدّينِيَّةِ وَالإِعْلامِيَّةِ اليَهودِيَّةِ الأَميرْكِيَّة. الدَّعْمُ لِإِسْرائيلَ لَمْ يَعُدْ مَوْقِفًا سِياسِيًا، وَإِنَّما صارَ امْتِحانَ انْتِماء.
الاعْتِراضُ لَمْ يَعُدِ اخْتِلافًا، وَإِنَّما خِيانَة. في هَذا السِّياق، تَتَحَوَّلُ المُذَكِّراتُ إِلى سِجِلٍّ مُؤْلِمٍ لِلْعُزْلَةِ التَّدْريجِيَّةِ التي فُرِضَتْ عَلَيْهِ وَعَلى أَمْثالِهِ مِنَ اليَهودِ المُعارِضِين.
يتبع..




