آراءثقافة
أخر الأخبار

د. فؤاد العروي.. كاتب وأديب متعدد الأبعاد

كونه ابن شقيق المفكر المغربي عبد الله العروي، لا يعني أنه اتكأ على ميراث العم في تعزيز حضوره، بل كان حالة متفردة تتميز عن عمه بكثير من المفارقات،.

إنه استثنائي من وجوه عدة، أولها هذه التعددية نفسها التي يتيحها فعل التثاقف العابر للحدود، مذ وضع بلا اختيار منه في مسار تكويني انتهى به إلى الاحتكاك بعوالم وثقافات واختصاصات متعددة.

استثنائي في أدبه الساخر، وهو ابن وسط بالغ الصرامة قمطرير، كما هو سمت عمه التاريخاني الصلب، المفكر المميز عبد الله العروي.

كان آخر عمل دار حوله لقاء توقيع بمكتبة كليلة ودمنة، قبيل كتابة هذه السطور، هو كتاب: (la vie, l’honneur, la fantasia).

ليس غريبا هذا الانشداد إلى الموروث الفانتازي، للتبوريدا بالتعبير المغربي، أو لو شئت تقريبها لهجيا لسائر العرب، فلنقل: البوردة، أو التبورد.

الكتاب هو سفر في الذاكرة، الطفل الناشيء في مدينة الجديدة، العريقة: (Mazagao)، المستوطنة البرتغالية منذ 1502م حتى حدود النصف الثاني من القرن الثامن عشر، موطن الفروسية والفرسان والأفراس، عاصمة دكالة.

في تلك الرواية، يستعيد الكاتب مشهدا مر كلغز بلا تفسير، حيث حادثة قتل الشرف، هذه المرة تحت وقع البواريد ونقع الأفراس.

حين يكتسب الشرف صورة فانتازية، شرف برائحة البارود، وحيث سيعود إلى عين المكان بعد سنوات، بحمولة معرفية ونوستالجيا طفولية، ليفتح ملفا تقادم في الخيال، بنظرة محقق ثاقب اللحاظ، في مهمة شبه أمنية -انثروبولوجية، أثمرت عملا كلاسيكيا في السرد الفانتازي. وله في أدب الفروسية عمل آخر تحت عنوان (des chauvaux et des hommes).

هو إذن خير مدخل للاحتفاء بموروث وجب في نظر فؤاد، أن نحذر من جعله فولكلورا، هو بالأحرى يمثل روح الثقافة المغربية.

يكتب فؤاد العروي أعماله باللغة الفرنسية، وقد نال عددا من الجوائز المستحقة: جائزة البير كامو (1996)، جائزة غونكور (2013)جائزة بيغاس(2025) عن كتابه المذكور أعلاه.

وليس ثمة شيء معيب في لغة الكتابة، فهو أصيل باللغة الفرنسية، وهي كما يرى ليست خيارا، بل هي قدره مذ ولج ثانوية ليوطي بالدار البيضاء، قبل أن يتابع دراسته بالمدرسة العليا للجسور والقناطر، فهي لغته اليوم في إحياء الذاكرة، اللغة التي يتقنها حد التعبير عن عمق التجربة الشعورية، عن الأحاسيس، إذ لا يمكن أن نخوض في تجربة شعورية بلغة لا نتقنها.

يثيرني في فؤاد العروي هذه العبر_ثقافية، الثقافة المتعددة، كمدرس للاقتصاد القياسي بلندن، للابستيمولوجيا بهولندا، فلسفة العلم في جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P) في بن جرير، حضور فاعل وخبروي في هيئات دولية بفرنسا وبلجيكا وغيرها.

يضيف إليها أنه عاشق للمعرفة حد المغامرة والزهد، حتى أنه وهو الذي تولى إدارة أحد مناجم الفوسفاط التابع للمكتب الشريف للفوسفاط، وهو لم يتجاوز آنذاك ال(26) من عمره، يغادر مهنته الأولى، بحثا عن شيء آخر: الفلسفة، العلم، والأدب.

كونه ابن شقيق المفكر المغربي عبد الله العروي، لا يعني أنه اتكأ على ميراث العم في تعزيز حضوره، بل كان حالة متفردة تتميز عن عمه بكثير من المفارقات، ففؤاد هو فؤاد، فؤاد العروي البشوش، حيث يتميز أدبه بسخرية بالغة، يناقض عمه صاحب التفكير الصلب الأكثر انطواء على نهجه التاريخاني، الأكثر وفاء للقطيعة التاريخية. من أين أتى فؤاد بهذه الدعابة المزمنة، بينما عائلة العروي ليسوا أهل دعابة؟

مسار فؤاد هو عبر_مناهجي مع وقف التنفيذ، ورؤيته للعلم نسبية، وقد وضع في ذلك أعمالا مثيرة، لعل أهمها: (Dieu, les mathématiques, la folie).

من أبرز ما أثارني في تجربة فؤاد، هو وفاؤه للميراث الثقافي المحلي. لعل هنا تظهر ملامح التميز عن العم، التاريخاني، حيث في سؤال التقدم والتأخر، استهان بالفولكلور، وبكل ما هو محلي أو تراث، فهو داعية قطيعة صلبة لا هوادة فيها مع التراث، رغم أنه أديب ومؤرخ، ربما لأن شواغل عبد الله العروي اقتضت هذه الصرامة.

بالنسبة لفؤاد الذي اعتبر الانتصار للميراث العربي يدخل في إطار الإنصاف، كما في كتاب (plaidoyer pour les arabe).

هناك وفاء للميراث الثقافي وإنصاف يبلغ مداه، حيث يرفض فؤاد العروي هذا الإقصاء للفلاسفة والعلماء العرب والمسلمين في تاريخ العلوم، حيث آثر الغرب أن يقصي أسماء كابن سينا وابن الهيثم وابن رشد..

وحيث يتناهى إلى مسامعه أن هناك من يقول أن سبينوزا غير مدين للعرب في شيء، فيتتبع الفتى بحدس فيلولوجي وعبر المقارنات وتأويل النص هذا الادعاء، ليكتشف في نهاية المطاف أن كثيرا من تلك العبارات لدى سبينوزا أو حتى لدى بعض من فلاسفة آباء الكنيسة، لها سابقة في المنطوق الرشدي.

الأهم أيضا في نظر فؤاد أن العلم مسار، وهو لا نهائي. أما أين يكمن الشعر والميتافيزيقا مقابل العلم كتسآل مستمر للواقع، فتلك حكاية أخرى، ساتحين الفرصة لأحاوره حول الفصل المنهجي بين النظرات والسرديات أو لنقل مستويات الوعي، فهي في نظري كعبر_مناهجي، من التعقيد إلى حد يقتضي البحث لها عن مخرج آخر غير القطيعة الكلاسيكية.

في محاضرته عن العلم والوعي (la science et la conscience)، كنت أرى أمرا آخر، ما يخفى من الإمكان المستبعد، ألا وهو أن الوعي بالعالم له مستويات، تجعل الوعي أوسع من العلم بالمعنى التداولي للعلم، وإن كان في المعنى العام، أن الوعي بالشيء والعلم به سيان، لولا قصور المصطلح، فالعلم هو وجدان، وكل وجدان هو وعي بالمعطى، وبه يتحقق انوجاد المعنى بقدر الوجود، وجود بقدر الانكشاف.

أمران لا غنى عنهما في تحسس الفجوة التي يراها الوضعاني القطائعي، كسيل من عماء، هذا الخاووس هو مكمن الوصل، والأمران هما:

– حقيقة أن المعرفة هي عين الوجود.

– عبر-مناهجية تحررنا من القطيعة المطلقة، أي من الوضعانية الساذجة.

واحسب د. فؤاد على وعي بتعاضد مستويات الفهم وتكامل العلوم، من أجل إنجاز تفسير العالم والممارسة السردية حوله. لكنه يمنح كل مستوى مقاما ورهانا خاصا، قطيعة لبقة تحتمي بالكثير من محاذير فلسفة العلم وخبرته..

هكذا يبدو في تجربة فؤاد العروي، غنى فلسفي وأدبي، تكمن فلسفته في انجازه السردي الثر، فلقد رمم ما كانت تاريخانية الأستاذ عبد الله العروي قد هشمته على طريق القطيعة الكبرى، كما خفف من وطأتها، وربت على كتف الموروث بروعة السرد وطراوة الخيال، في تجربة معرفية، هي بالفعل فانتازية بامتياز.

لطالما ذهب بي الخيال بعيدا وأنا أتصور تجربة نقدية بين العرويين، العروي “الأصغر” ضد العروي”الأكبر”، القطيعة الصلبة في مواجهة الفانتازيا، ألسنا في سؤال التقدم في مسيس الحاجة إلى الخيال؟ هذه المواجهة حتما ستكون، حدثا معرفيا ماتعا ومفيدا، لا سيما في لحظتنا الملحة، حيث تراجع الإبداع واختل الميزان.

https://anbaaexpress.ma/jir9o

إدريس هاني

باحث ومفكر مغربي، تنصب إهتماماته المعرفية في بحث قضايا الفكر العربي، أسئلة النهضة والإصلاح الديني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى