لم يعد حضور شركة «تسلا» في المغرب مجرد توسع تجاري لشركة سيارات عالمية، بل يعكس تحولا استراتيجيا في مشهد التنقل الكهربائي بالقارة الإفريقية.
فمنذ السادس من فبراير، أصبحت الدار البيضاء تحتضن أول نقطة بيع رسمية للشركة في إفريقيا، عبر متجر مؤقت داخل مركز «أنفا بليس مول» على كورنيش المدينة، حيث شرعت الشركة في عرض طرازي Model 3 وModel Y للبيع المباشر للراغبين في اقتناء السيارات الكهربائية بالمغرب.
وتأتي هذه الخطوة في سياق توسع عالمي للشركة الأمريكية التي أنهت سنة 2025 بتسليم نحو 1,8 مليون سيارة، وبعائدات تجاوزت 90 مليار دولار، ما يعزز موقعها كأحد أبرز الفاعلين في سوق السيارات الكهربائية عالميا، رغم المنافسة المتزايدة من شركات آسيوية، خصوصا الصينية منها.
على المستوى الإفريقي، يبرز المغرب كأكثر الأسواق دينامية في قطاع السيارات الكهربائية، إذ سجلت المبيعات نموا لافتا بلغ نحو 176,5 في المائة خلال النصف الأول من سنة 2025، لتصل حصة السيارات الكهربائية إلى حوالي 3 في المائة من إجمالي السوق.
ورغم استمرار هيمنة العلامات ذات التكلفة المنخفضة مثل «داسيا» و«رونو»، فإن دخول «تسلا» يمثل مؤشرا على انتقال السوق تدريجيا نحو فئة السيارات الكهربائية ذات الطابع الفاخر والتكنولوجي المتقدم.
ويستند هذا التوجه إلى توفر بنية تحتية ملائمة للاستثمار، تشمل شبكات النقل واللوجستيك والخدمات التقنية، إضافة إلى توفر كفاءات بشرية مؤهلة. وهو ما يفسر اختيار الشركة للمغرب كنقطة ارتكاز إفريقية، خصوصا في ظل السياسات الحكومية الداعمة للتحول الطاقي والصناعة الخضراء.
وقد أسست «تسلا المغرب» فرعها المحلي في ماي 2025 بمقر في «مارينا الدار البيضاء»، برأسمال يفوق ثلاثة ملايين دولار، مع شروعها في تطوير شبكة شحن متقدمة.
وتشير المعطيات إلى وجود 24 محطة «سوبر تشارجر» موزعة بين مدن رئيسية مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة وفاس وأكادير، فضلا عن أكثر من ألف نقطة شحن كهربائي عبر مختلف مناطق المملكة.
وتوجد هذه المحطات غالبا على محاور الطرق الرئيسية وفي المناطق السياحية والاقتصادية الحيوية، ما يعكس شراكات متعددة مع فاعلين محليين تشمل الأشغال التقنية وتوفير الطاقة الكهربائية والصيانة والتدبير اللوجستي، بما يضمن استمرارية الخدمة وجودتها.
كما يشكل تأهيل الموارد البشرية أحد المرتكزات الأساسية لهذا المشروع، سواء عبر تكوين تقني متخصص أو تطوير خدمات ما بعد البيع، بهدف ضمان تجربة استعمال متكاملة للمستهلك وتعزيز الثقة في المركبات الكهربائية.
اقتصاديا، تستفيد هذه المبادرة من الإطار التحفيزي الذي اعتمده المغرب خلال السنوات الأخيرة، خصوصا «الميثاق الجديد للاستثمار» المعتمد منذ 2023، والذي يوفر حوافز مالية وضريبية للمشاريع الاستراتيجية المرتبطة بالصناعة الخضراء والانتقال الطاقي، ما يعزز جاذبية المملكة للاستثمارات الدولية.
ويتقاطع حضور «تسلا» مع رؤية الدولة المغربية لتعزيز موقعها كمركز إقليمي للصناعة والتكنولوجيا النظيفة، حيث تعمل كل من الاتحاد العام لمقاولات المغرب والوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات على استقطاب الشركات متعددة الجنسيات، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والصناعة المتقدمة.
كما يرتبط المشروع باستراتيجية أوسع تقوم على تطوير القدرات المحلية في مجال الطاقات المتجددة وصناعة السيارات، وهو ما قد يفتح آفاقا جديدة للنمو الاقتصادي ونقل التكنولوجيا وتعزيز فرص الشغل المؤهل.
وفي هذا السياق، يظل التعاون بين القطاعين العام والخاص عاملا حاسما لإنجاح هذا التوجه، خصوصا مع سعي الشركة إلى الاستفادة من الشبكة اللوجستية المغربية القوية، ومن خبرة البلاد في الصناعة السياراتية، إضافة إلى ريادتها الإفريقية في مجال الطاقات المتجددة.
وتحمل هذه الخطوة رسالة واضحة للأسواق الدولية مفادها أن المغرب لم يعد مجرد مستورد للتكنولوجيا، بل أصبح بيئة قادرة على استقطابها وتطويرها ضمن منظومة صناعية متكاملة.
ومع دخول «تسلا»، يرسخ المغرب موقعه كأول بلد إفريقي يندمج بشكل فعلي في منظومة الشركة العالمية للتنقل الكهربائي، بما يعزز طموحه ليكون قطبا قاريا في اقتصاد الطاقة النظيفة والنقل المستدام.





تعليق واحد