آراء
أخر الأخبار

مغرب الحضارة: المرحلة تفرض جدارًا إعلاميًا مثينا وموثوقا

تتعرض المملكة، في المرحلة الراهنة، إلى حرب إعلامية مركّبة، لا تقوم على المواجهة المباشرة فقط، بل على التشويش، وصناعة السرديات المضلِّلة، وتوجيه الانتباه، وبثّ الشك، في محاولة لإرباك الوعي وتشويه الصورة

لم تعد معارك الدول تُخاض فقط بالسلاح والعتاد، بل أصبحت تُدار، في جزء كبير منها، داخل الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث تُصنع الصور الذهنية، وتُبنى الانطباعات، وتُهندس السرديات، وتُستهدف العقول قبل الحدود.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحّة إلى بناء جدار إعلامي رصين وموثوق، قادر على حماية الوعي الوطني، وتحصين الجبهة الداخلية، والتأثير الإيجابي في الخارج، بما ينسجم مع مكانة المغرب ورهاناته الاستراتيجية.

تتعرض المملكة، في المرحلة الراهنة، إلى حرب إعلامية مركّبة، لا تقوم على المواجهة المباشرة فقط، بل على التشويش، وصناعة السرديات المضلِّلة، وتوجيه الانتباه، وبثّ الشك، في محاولة لإرباك الوعي وتشويه الصورة.

هي حرب تدار بالكلمة الموجَّهة، والرموز الفتاكة، والصورة المبتورة، والعنوان المسموم، والانتقاء المتعمَّد للأحداث خارج سياقها.

وتشتدّ هذه الحملات كلما راكمت المملكة نجاحات دبلوماسية، أو رسّخت موقعها كشريك موثوق إقليميًا وقاريًا، وهو أمر مفهوم داخل محيطين دولي وإقليمي تسودهما تنافسية حادّة، وتقاطع مصالح، واستقطاب متعدد، وصناعة أزمات، ومحاولات تفتيت للهويات.

وفي هذا السياق، لم تكن كأس إفريقيا مجرّد بطولة رياضية، بل تحوّلت، لدى بعض الأطراف، إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات الرمزية، وتوجيه الرسائل السياسية والإعلامية، واستثمار الانفعال الجماهيري لنشر خطاب التشكيك والتبخيس والتحريض.

فمعركة الإعلام والتأثير ليست ثانوية، لكن خوضها بالرداءة، أو التفاهة، أو البرودة، لا يخدم الوطن، بل يُربك صورته ويُضعف حجته.

فالتهديد الذي تواجهه الدول اليوم ليس عسكريًا أو أمنيًا أو دبلوماسيًا فقط، وهو ما يُجابه بالقوة الصلبة ومتانة مؤسسات الدولة (Hard Power)، وهي بحمد الله متوفرة ومتعددة، وتزداد صلابة مع اليقظة الدائمة، والاستثمارات العسكرية والأمنية المتصاعدة، والمكانة الدبلوماسية الراسخة.

بل إن التهديد الأخطر هو التهديد الفكري والإعلامي والقيمي (Soft Power)، الذي يتسلّل إلى الروح والقلب والعقل، وإلى المشاعر والقناعات والسلوكيات، ويتسلّل إلى الداخل: الجبهة الداخلية، والرأي العام، والشباب، والأسرة.. كما يتسلّل إلى الخارج: جبهة الأصدقاء، والشركات، والرأي العام العالمي، وأصحاب القرار الدولي.

والإعلام المضاد للمملكة، بكل تصنيفاته، يُنفق عليه مال لا يخطر على البال، وأصبح الملاذ الأقوى للخصوم والمنافسين بعدما تمّ صدّهم أمنيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا.

لهذا، فإن الحاجة اليوم ليست إلى كثرة الأصوات، بل إلى جودة الخطاب، ولا إلى الضجيج، بل إلى الإقناع، ولا إلى الانفعال، بل إلى الحكمة، ولا إلى المديح، بل إلى الإيمان بمغرب الصعود.

إننا نحتاج إلى جدار إعلامي، تمامًا كما نحتاج إلى جدار أمني، يحمي الوعي كما تُحمى الحدود، ويحصّن العقول كما تُحصّن الأرض، ويرسّخ الانتماء كما ترسخ الوحدة.

ومن هذا المنطلق، وجب أن يكون البحث عن الإعلاميين والمؤثرين بحثًا نوعيًا لا عدديًا، عن المخلصين حقًا، والأقوياء فكرًا وخطابًا وتأثيرًا، لا عن صنّاع الإثارة، ومخرجي التفاهة، وباردي القول والحضور.

نحتاج إلى معهد وطني لصناعة الإعلام والتأثير الاستراتيجي، يُكوِّن إعلاميين ومحللين ومؤثرين متمكّنين من الجيوبوليتيك، ومن هندسة السرديات، ومن إدارة الأزمات، ومن الاتصال الرقمي الاحترافي، وفق رؤية وطنية ملزمة للجميع.

كما أن دعم الدولة للإعلام يجب أن يكون دعمًا مسؤولًا ومشروطًا.

يكون مشروطًا بالإيمان الحقيقي بثوابت وأسس هويتنا، والدفاع عن القضايا الوطنية، وجودة المضمون، والقدرة على مواجهة الحملات المغرضة بذكاء واتزان وإفحام، وخدمة إشعاع المملكة لا تشويه صورتها من حيث لا يُقصد.

كم نحن في حاجة إلى تقييم وتقويم لإعلامنا العمومي والخاص، بالجرأة اللازمة وبدون تأخر، بناءً على استراتيجية إعلامية تُوضع بإشراف سيادي، وتنزيل مؤسساتي جديد، ومتابعة دورية دقيقة.

لا بدّ من ربط المسؤولية بالمحاسبة، والنتائج بالإمكانيات المرصودة، وهي بالآلاف من الإعلاميين والإداريين والتقنيين، وبالمليارات سنويًا من الأجور والتعويضات والدعم والإشهار.

لا تبحثوا عن المدّاحين عند العطاء، ولا عن الكسالى عند العراك، فهم مع من يعطي أكثر، وإنما ابحثوا عن المخلصين النافعين الذين يؤمنون بالوطن حقًا، وتتحدث قلوبهم قبل أقلامهم وألسنتهم، والذين يجعلون الإعلام رسالة وطنية.

في نهاية المطاف، بناء الجدار الإعلامي ليس ترفًا فكريًا، ولا مطلب نخبة، بل ضرورة سيادية تمليها طبيعة المرحلة وحدّة الاستهداف.

وحده الإعلام الوطني الرصين، المؤمن بثوابته، الواثق في مساره، القادر على الجمع بين المهنية والغيرة الوطنية، يمكنه أن يشكّل هذا الجدار الواقي، وأن يحوّل الإعلام من نقطة ضعف محتملة إلى رافعة قوة حقيقية للدولة.

وقديماً قيل: ليست النّائحة الثكلى مثلَ النّائحة المستأجرة.

https://anbaaexpress.ma/gvsc1

عزيز الرباح

وزير سابق رئيس مبادرة الوطن أولا ودائما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى