في خطاب الجزائر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، اختار وزير خارجيتها أحمد عطاف العودة إلى المواقف التقليدية لبلاده بشأن قضية الصحراء المغربية، مجدداً التمسك بأطروحة تقرير المصير ودعم مليشيا البوليساريو، في وقت يشهد فيه الملف تحولات دبلوماسية وقانونية متسارعة على المستوى الدولي.
ويأتي الخطاب الجزائري في مواجهة مباشرة مع الطرح الذي قدمه وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة أمام الأمم المتحدة، والذي حدد مبادئ أساسية لمسار التسوية، في مقدمتها أن لا حل خارج إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ولا مسار خارج المفاوضات الأممية على أساس هذه المبادرة.
كما شدد بوريطة على رفض استمرار الوضع القائم، وعلى ضرورة احترام قرارات مجلس الأمن والتزامات الأطراف، إضافة إلى وضع حد لما وصفه باستمرار احتجاز سكان مخيمات تندوف منذ عقود.
وفي المقابل، أعاد عطاف التأكيد على الموقف الجزائري التقليدي الانفصالي، بما يعكس استمرار الجزائر في إعطاء ملف الصحراء المغربية، موقعاً مركزياً في خطابها الدبلوماسي، رغم التحولات التي عرفها النزاع خلال السنوات الأخيرة.
وتعتبر الرباط أن موازين الملف تغيرت بشكل واضح، خصوصاً بعد الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، والدعم المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي، إلى جانب التطورات التي عرفها المسار الأممي وقرار مجلس الأمن 2797، الذي جعل مبادرة الحكم الذاتي أساساً للمناقشات السياسية.
فيديو: يوثق جانباً من خطاب أحمد عطاف بالأمم المتحدة
وتأتي هذه المواجهة الدبلوماسية في وقت شهدت فيه الأقاليم الجنوبية المغربية مشاركة انتخابية لافتة خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، وهو ما تقدمه الرباط باعتباره مؤشراً على اندماج السكان في المؤسسات الوطنية ومشاركتهم في الحياة السياسية.
وبينما تواصل الجزائر الدفاع عن مقاربة تعود إلى بدايات النزاع، يدفع المغرب باتجاه الانتقال بالملف إلى مرحلة جديدة عنوانها الحكم الذاتي والتفاوض السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة.
وبعد أكثر من خمسة عقود من النزاع، يطرح خطاب عطاف سؤالاً أساسياً: هل تستطيع الجزائر إعادة إنتاج المواقف نفسها في ظل التحولات الدولية التي عرفها الملف، أم أن المرحلة المقبلة ستفرض الانتقال من منطق المواقف المتقابلة إلى مفاوضات سياسية حقيقية حول صيغة الحل؟.
وفي الأخير، وبعد أكثر من خمسة عقود من الإنفاق والجهد الدبلوماسي الجزائري لدعم المشروع الانفصالي، تبدو محاولة إعادة طرح الأطروحة نفسها في الأمم المتحدة أقرب إلى إعادة إحياء لمسار فقد الكثير من زخمه الدولي، وتم اقباره.
فالتطورات المتلاحقة داخل مجلس الأمن، دفعت بالملف نحو مسار سياسي جديد جعل مبادرة الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، فيما واصلت الجزائر التشبث بخطاب قديم تحاول من خلاله إعادة تسويق أطروحة الانفصال وإبقائها حاضرة في المشهد الدولي.




