عادت إلى الواجهة واحدة من أخطر القضايا الجنائية التي هزّت الجزائر داخليًا ودوليًا، بعد أن أفادت وسائل إعلام جزائرية، بأن القضاء الجزائري برمج أخيرًا فتح ملف فضيحة كمال شيخي المعروف بـ“كمال البوشي”، المتعلق بتهريب أزيد من 7 قناطير من الكوكايين عبر ميناء وهران سنة 2018، وهي القضية التي ظلت معلّقة ومؤجلة لما يقارب ثماني سنوات.
وبحسب ما أوردته الصحافة المحلية، فإن محكمة الجنايات الابتدائية بالدار البيضاء في الجزائر العاصمة ستنظر في القضية يوم 11 يناير 2026، حيث سيمثل كمال شيخي إلى جانب شقيقيه وشريك له مقرّب، وجميعهم متابعون بتهم ثقيلة تتعلق بـالاستيراد والتصدير غير المشروع للمخدرات في إطار جماعة إجرامية منظمة، وتبييض الأموال.
شحنة كوكايين عابرة للقارات
وتعود وقائع القضية إلى أواخر شهر مايو 2018، حين تم حجز 701 كيلوغرام من الكوكايين كانت مخفية بإحكام داخل شحنة لحوم مجمّدة مستوردة من البرازيل، تعود ملكيتها لشركة كمال شيخي.
التحقيقات كشفت أن الشحنة كانت مكوّنة من 603 صفائح من المسحوق الأبيض، موزعة داخل 34 علبة كرتونية، في عملية وُصفت حينها بأنها من أكبر عمليات تهريب المخدرات في تاريخ الجزائر.
الأخطر في الملف، حسب ما ورد في أوراق التحقيق، أن الرقم التسلسلي للحاوية التي كانت تحمل الكوكايين غير مدرج ضمن الوثائق الرسمية لشحنة اللحوم، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول كيفية مرورها عبر الميناء، ومن سهّل ذلك، ومن وفّر الغطاء الإداري والأمني اللازم.
ملف يتجاوز “تاجر مخدرات”
منذ تفجّر القضية، لم تُطرح فضيحة “البوشي والكوكايين” كملف جنائي معزول، بل كقضية ذات امتدادات سياسية وأمنية، خاصة في ظل ما راج إعلاميًا عن وجود شبكات نفوذ داخل مؤسسات حساسة، يُشتبه في أنها وفّرت الحماية والتمويه لهذه العمليات العابرة للحدود.
كما أُثير، في مراحل سابقة، اسم نجل الرئيس عبد المجيد تبون في سياق التحقيقات والتسريبات الإعلامية، قبل أن يتم إخراجه من الملف لاحقًا، وهو ما اعتبره متابعون إقحامًا ثم إبعادًا يطرح أكثر مما يجيب، ويعزز الشكوك حول انتقائية المتابعة القضائية عندما تقترب الملفات من دوائر السلطة.
تمـاطل قضائي وتساؤلات مشروعة
إعادة برمجة القضية بعد سنوات من الصمت والتأجيل، تفتح الباب أمام تساؤلات حقيقية حول سبب هذا التماطل الطويل، ولماذا لم يُحسم الملف في حينه، رغم خطورته وانعكاساته على صورة الجزائر دوليًا، خاصة بعدما تحولت البلاد، وفق تقارير دولية، إلى نقطة عبور محتملة لشبكات الاتجار الدولي بالمخدرات الصلبة.
ويرى متابعون أن هذا التأخير لا يمكن فصله عن حساسية الأسماء والدوائر التي لامسها الملف، معتبرين أن القضاء الجزائري ظل، في هذا النوع من القضايا، مكبّلًا بالخطوط الحمراء السياسية والعسكرية، وهو ما يجعل محاسبة “الرؤوس الكبيرة” أمرًا مؤجلًا أو مستبعدًا.
وجدير بالذكر إن فضيحة “البوشي والكوكايين” لا تعكس فقط نشاط شبكة إجرامية، بل تكشف، بحسب مراقبين، أزمة عميقة في منظومة الحكم والرقابة، حيث يصبح الاتجار الدولي في المخدرات ممكنًا دون تواطؤ، أو على الأقل، تغاضٍ من جهات نافذة داخل النظام.
ويبقى الرهان اليوم، مع عودة الملف إلى القضاء، هو ما إذا كانت المحاكمة ستتجه نحو كشف الحقيقة كاملة، مهما كانت الأسماء المتورطة، أم أنها ستتحول مرة أخرى إلى محاكمة تقنية محدودة تُستعمل لامتصاص الغضب الداخلي وتمويه الرأي العام الجزائري والدولي، دون المساس بجوهر الفساد البنيوي داخل النظام العسكري الحاكم.
ختامًا، تفيد المعطيات التي توصلت بها أنباء إكسبريس، اعتمادًا على مصادر متقاطعة، بأن ملف “البوشي والكوكايين” لا يقتصر على المتابعين المعروضين أمام القضاء، بل تحوم حوله شبهات أوسع تطال أسماء وازنة داخل النظام الجزائري، من بينها نجل الرئيس عبد المجيد تبون، إضافة إلى شخصيات عسكرية نافذة على غرار الجنرال السعيد شنقريحة، في سياق يُعاد فيه طرح أسئلة ثقيلة حول شبكات النفوذ، وحدود المحاسبة، واستقلالية القضاء في قضايا ذات طابع عابر للحدود.




