لا يتعلق الأمر هنا بعدم التعمق في العلوم، وهو مطلب مقاصدي (غريب ومفارق) عند الشاطبي، بل المقصود هنا وضع المعرفة في سياقها الإيجابي من الواقع، أي اجتناب الحشو وكل ما من شأنه تعريض الدماغ لتحدي المنفعة الحدية.
لقد تورم العقل بهذا الحشو والخليط غير المنظم من المعرفة في الخطاب المعرفي والسياسي لنابتة الوسائط الجديدة، حيث تساوي المعقول واللامعقول، على ركح الكوميديا الرقمية.
سمحت الأزمات العاصفة بالوطن العربي الذي يعيش على إيقاع حروب الطوائف، ببروز سماسرة الأزمات الذين باتت وظيفتهم هي إعادة إنتاج المآسي وممارسة التهريج وركوب الأمواج، كل ذلك بتفعيل بلادة التكرار، طبعا وكل ذلك طمعا في الحظوة والمتاجرة.
هؤلاء الجبناء الذين ملؤوا الساحات تآمرا وتشنيعا على الشرفاء، بجهل وتفاهة، لأن أشكالهم تدل على حماقتهم، ينتهزون غباء المتلقي، وهو أيضا غباء شديد، وهو ما يجعل القبض على النفاق من ذيله حكاية معقدة للغاية.
أعود إلى الاقتصاد في المعرفة، أي حسن تدبير تنزيلها واستيعاب تحديات الواقع، لكي أوضح بأن المعضلة لا تحتاج إلى صبيب الفوضى والاختزال فوق رؤوس القطيع البشري، فثمة على كل حال لوثة تعيق تطور الوعي وتستغل الوضعية المزرية لفعل التلقي.
هذه مقدمة ضرورية لتنظيف الدماغ من رواسب العادة، أي التفكير بواسطة رد الفعل الشرطي البافلوفي، حالة دوبرمانية من اللهاث الخطابي، الذي يتقوم بثنائية: داعية مسيخ ومتلقي بهيم، بينما باتت الحقائق معلقة بين سفه الفكر المتداني ورشد العقل المتعالي.
يعكس المشهد من خلال الحوادث الواقعة وطرائق التفاعل المتبلدة، حالة كاريكاتيرية، لكنها في الوقت نفسه مأساوية. ونحن بالتفاهة العصبية والجهل، نساعد مصاص الدماء على مزيد من التمادي في تحطيم ما تبقى من معنى لدى أمة لغة الهاء: (الهزيمة + الهاوية + الهراء).
ماذا حدث يا ترى لأمة لطالما تم تنبيهها من قبل ومن بعد: الويل للعرب من شر قد اقترب.
اليوم بلاد العرب التي ولغت في العصبية والمكر، باتت مسرحا للإبادة الممنهجة، وللسخرية على امتداد جغرافيا فاجرة في عصبيتها وتآمرها على بعضها. وكل ما يجري إن هو إلا عوارض في مسار صراع بين السيد والعبد لا محيد عنه البتة.
الاقتصاد في المعرفة هو حسن تدبيرها وتنزيلها، هو عبقرية القبض على الما_صدقا من كل مفهوم.
ليس ثمة انفصال بين دورة الوعي ونوبات انخطاطنا وهزائمنا، فعند كل انتكاسة وعي تحدث هزيمة نكراء لا تصيب البلهى منا خاصة، بل كلفتها عامة. غالبا في دورة انخطاطنا نجعل المعرفة أمام تطلعات ميولنا، ومن هنا تتعرض المعرفة للتقطيع والبرمجة الايديولوجية.
ومتى لم تكن المعرفة في خلفيات نظرنا للظواهر والاحداث، فستصبح المعرفة وسيلة فاقدة لسلطتها، لصالح سلطة الايديولوجيا الزائفة التي باتت هي الهواء الذي نتنفسه في ممارستنا الميدانية لمسمى العقل، عقل على مقاس غرائز حامله الفردي والجمعي، حينئذ لا غرابة أن يصبح التخلف ومعه التفاهة مجرد وجهة نظر.




