من أغرب مفارقات الفن الإسلامي أن حضارة جعلت الإيمان بالغيب جزءاً من عقيدتها، أنجبت فنانين منحوا ذلك الغيب، وجوهاً، وأجساداً، وألواناً.
رسموا ملائكة لم يروها، وجنّاً لم يلتقوا بهم، وشياطين لم تقف أمامهم لتكشف عن ملامحها. والأغرب أن هذه الكائنات التي تنتمي إلى عالم غير مرئي، حملت في صورها آثار حضارات مرئية تماماً، بعضها سبق الإسلام بآلاف السنين.
فأجنحة الملائكة تذكّر بفنون بيزنطة، ووجوه الشياطين تستحضر أساطير فارس، والكائنات العجيبة تحمل أصداء الهند وبلاد الرافدين.
وكأن الفنان، وهو يحاول تصوير عالم السماء والمجهول، كان يجمع على الورق ذاكرة الأرض وشعوبها. كما أن الفن الاسلامي يعكس هذه الروح الفريدة.
فكيف استطاعت حضارة واحدة أن تجمع كل هذه العوالم المختلفة في صورها؟ وكيف عبرت الأساطير حدود الأديان واللغات، لتولد مجدداً في مخطوطات الفن الإسلامي؟
تأثير الفن الاسلامي على التصوير الديني
إن الفن الاسلامي ليس مجرد تعبير عن الجمال، بل هو أيضاً وسيلة لفهم الروح والمفاهيم الغامضة.
في المخطوطات الفارسية والعثمانية، تظهر الملائكة بوجوه بشرية جميلة وأجنحة واسعة وثياب زاهية، تحيط بها أحياناً هالات من النور. لكن الأجنحة لم تكن ابتكاراً إسلامياً.
فقد عرفتها الفنون المسيحية البيزنطية، كما ظهرت الكائنات المجنحة في حضارات الشرق القديم. وفي الفنون البوذية بآسيا الوسطى، انتشرت صور الكائنات السماوية بأوشحتها الطائرة وأجسادها الرشيقة.
ومع انتقال التجار والفنانين والحرفيين بين البلدان، انتقلت معهم هذه اللغة البصرية، واكتسبت معاني جديدة في المخطوطات الإسلامية.
أما الجن، فقد عرفهم العرب قبل الإسلام، ونسجوا حولهم حكايات عن الصحارى والوديان والأماكن المهجورة. وجاء الإسلام ليمنحهم حضوراً واضحاً في النص الديني، لكن القرآن لم يضع وصفاً تفصيلياً لأشكالهم. تُركت هذه المساحة لخيال الناس والفنانين، الذين استعاروا ملامح من موروثات مختلفة.
في بلاد فارس، كانت الأساطير القديمة تعجّ بكائنات تُعرف باسم «الديو»، وهي مخلوقات ارتبط بعضها بالشر والفوضى والقوى الخارقة. ومع انتشار الإسلام، لم تختفِ هذه الكائنات من الذاكرة الشعبية، بل واصلت حياتها في القصص والمنمنمات.
وفي رسوم «الشاهنامه» للفردوسي، تظهر بأجساد ضخمة ووجوه مخيفة وأنياب ومخالب، في مشاهد الصراع مع الأبطال. ومع مرور الزمن، تداخلت صورها في بعض التقاليد الفنية مع تصورات الشياطين والجن، من دون أن تصبح جميع هذه الكائنات شيئاً واحداً.
ولم تكن الهند بعيدة عن هذا العالم. فقد عرفت دياناتها وأساطيرها كائنات سماوية وأرواحاً وحراساً للكنوز ومخلوقات تجمع بين الإنسان والحيوان.
ومع نشوء الفنون الإسلامية في شبه القارة الهندية، خصوصاً في العصر المغولي، التقت التقاليد الفارسية بالخيال الهندي الغني بالألوان والتفاصيل. لم يكن الأمر مجرد استعارة للصور، بل حواراً فنياً بين ثقافات مختلفة، احتفظت كل منها بخصوصيتها، وتركت أثرها في الأخرى.
ومن أمتع الشواهد على هذا العالم كتاب «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» الذي ألّفه زكريا القزويني في القرن الثالث عشر.
ففي صفحاته تجاور الحديث عن النجوم والحيوانات والنباتات مع أخبار الكائنات الغريبة والعوالم الخفية. وفي نسخه المصورة، نرى الملائكة والمخلوقات العجيبة مرسومة بعناية لا تقل عن تلك التي خُصصت للحيوانات المعروفة.
لم يكن الفصل بين المعرفة والحكاية الشعبية واضحاً كما نعرفه اليوم، فقد حاول الإنسان تفسير الكون بما امتلكه من ملاحظة، وكتب وروايات وخيال.
حتى الصين البعيدة تركت بصماتها على هذا الفن. فقد انتقلت صور التنانين والطيور الأسطورية والسحب الملتفة عبر طرق التجارة والاحتكاك الثقافي، وظهرت في الخزف والمنسوجات والمخطوطات الإيرانية، خصوصاً بعد العصر المغولي.
وهكذا أصبح التنين الصيني جزءاً من الزخرفة في بيئات إسلامية، من دون أن يفقد تماماً ملامح أصله البعيد.
والمثير أن هذه الصور نشأت في حضارة عرفت مواقف دينية مختلفة من تصوير الكائنات الحية، ولا سيما في الأماكن المخصصة للعبادة. لذلك ازدهرت رسوم الملائكة والجن والمخلوقات الأسطورية بصورة خاصة في المخطوطات الأدبية والعلمية والقصور، أكثر مما ظهرت في المساجد.
لكن وراء هذه الأجنحة والوجوه الغريبة تكمن حكاية إنسانية أعمق. فالإنسان، منذ أقدم الحضارات، حاول أن يمنح المجهول شكلاً يمكنه فهمه. رسم ما يخشاه، وما يرجوه، وما يعتقد أنه يسكن السماء، أو يختبئ في الظلام. وكل شعب أضاف إلى هذا العالم شيئاً من مخاوفه وأحلامه وأساطيره.
لهذا لا يمكن النظر إلى الفن الإسلامي باعتباره فناً نشأ بمعزل عن العالم. لقد حمل في داخله ذاكرة العرب والفرس والهنود والبيزنطيين والصينيين، وأعاد صياغة عناصرها في أشكال جديدة، تماماً كما فعلت الحضارات الكبرى عبر التاريخ.
وربما كان أجمل ما تركته لنا تلك المخطوطات أن الفنان، وهو يحاول رسم الملائكة والجن والعوالم التي لم يرها أحد، لم يكن يرسم الغيب وحده، بل كان يرسم الإنسان نفسه، بخوفه من المجهول، وفضوله الذي لا ينتهي، ورغبته القديمة في أن يجد صورة لكل ما يعجز عن تفسيره.
وهكذا، فإن تلك الكائنات التي لم يرها أحد، تخبرنا اليوم الكثير عن الشعوب التي تخيلتها، وعن الحضارات التي التقت لتمنحها وجوهاً وأجنحة وألواناً.




