
استطراد
كتب الأستاذ الدكتور المرحوم / محمد عوض محمد؛ أستاذ التاريخ في الجامعات السودانية والمصرية قديماً كتاباً ضخماً جيداً تحت عنوان ( السودان الشمالي ) طبعة سنة ١٩٥١ وبالذَّات عن قبيلة الجعليين الممتدة على نطاق واسع جداً في السودان الشمالي وكل أطرافه الجغرافية، وذكر قوتهم وشكيمتهم وشدة بأسهم في الحروب ومكارم أخلاقهم عند النائبات وما إلى ذلك؛ وأذكر تعرض الأستاذ البروفيسور المرحوم / عبد الله الطيب؛ في برنامجه التلفزيوني “سير وأخبار” الذي كان يُقدَّم في قناة السودان الرسمية؛ اشادته بالكاتب والكتاب من حيث الموضوعية والإلمام في مجال تخصصه.
يرجع نسبة قبيلة الجعليين لكبيرهم إبراهيم بن إدريس الملقَّب بــــــ ” جعل” وقيل سبب اللقب هو ميول لونه للسواد الشبيه بلون الجُعُلِ وهي الجُعرانة الحشرة السوداء المألوفة والمعروفة، وقيل سبب اللقب هو أن قال له أحدهم: ( جعلناك مِنَّا ) والله أعلم صحة ذلك.
يبلغ نسل إبراهيم جعل الملايين؛ وهو من حيث الاسم والنسب لكل من ينتسب للرجل البالغ عددهم أثنى عشر رجلاً منهم: كتي وجبل وجبر وشاع الدين وعبد العال ود عرمان، وعبد العال ود عرمان / ود، وأصلها ولد ، وبالعامية السودانية تعني ابن وحذفت اللام لتخفيف النطق وسهولته / هو جد الجعليين الأقرب لبطون وأفخاذ القبيلة وبقية اسمه ونسبه هكذا:
عبد العال ود ضوَّاب ود غانم بن صبح بن أبي مرخي بن أبي الديس بن أحمد بن محمد بن إبراهيم الملقب بـــــ “جعل”؛ وقد قيل في المثل من باب الفخر والتندر لمن لا يلحق نسبه واسمه بجد العرب ولا بجد الجعليين: “لا من عرمان ولا من عدنان “، ذلك أنَّ جد الجعليين الأقرب هو عرمان وجد العرب الكبير هو عدنان بن معدي كرب، راجع كتابي (طيبة الخوَّاض وما وراءها من نبأ) مطبوع في القاهرة 2020، لمزيد من التفاصيل.
أنا ذكرت هذا الاستطراد بمناسبة سوط العنج ولتحفيز قراءة الكتاب فهو جدير بالاطلاع بلا شك كما تعلمون.
رجع الحديث
هذا ! يصاحب عرضة الصقرية الضرب بالدفوف والنوبات الكبيرة والنحاس؛ وتعرف بـــــ ” دق النحاس” مثلها مثل الإعلان عن الحرب عند العرب قديماً؛ قالت هند بنت عتبه تحمس القرشيين للقتال في أحد:
ويهاً بني عبد الدار * ويهاً حماة الأنصار
ضرباً بكل بتَّار
إن تقبلوا نعانق * ونفرش النمارق
وإن تدبروا نفارق * فراق غير وامق
ومن أمثلة شعر الحماسة السودانية بهذه المناسبة:
تمساح الدميرة المابقتلو سلاح
المال ما بهمه إن كتر إن راح
ومنهم من يتماوج أثناء الرقص ومنهم من يسير وهو جالس يمشي مشية البطَّة ويفرد يديه للأمام بنوع من الفخر والاعزاز لم أجد له ضريب ؛ ويعجبني أيَّما إعجاب.
أذكر عند زواجي أن قمت بالعرضة بالسيف وحملت المبخر المملوء جمراً مشتعلاً في كفتي والناس ينظرون بإعجاب وخوف من أن تحرقني النار والحق يقال لم أحس بها مطلقاً وكأني أحمل وردة بنفسج لأجلها؛ وحذَّرت مَنْ حولي عدم الاقتراب مني خشبة أن تأخذني الحماسة بالانفعال أو الهاشمية كما يقولون فأفتك بأحدهم دون قصد وكان ذلك على مرتين لحظة الجِرْتِقْ ولحظة العرضة فأنا – والعياذ بالله من أنا – انتمي لقبيلة الجعليين ولله الحمد والمنة؛ ورحم الله أيامنا؛ قال الشابي:
ليت الشباب يعود يوما * فأخبره بما فعل المشيب
هذا ! النُوبَة / بالتخفيف للباء والإمالة للنون؛ هكذا تُنطق /
تصنع من النحاس المفتوح من أعلاه وأسفله وتُجَلَّد إحدى الفتحتين بجلد الثور أو البقر المتين وتشد من أطرافها حول الفتحة وتضرب ضرباً عنيفاً ولها صوت شبيه بصوت ضرب النوبة في الكديح النبوي الشريف كأولاد حاج الماحي المدَّاحين ( كلبلكل كلبلللكل ) إذا كانت الأغنية فيها برود وإلَّا فإنَّها تضرب بلا رأفة ولهم بها ولعٌ شديد وحماس مفرط ويتجاوبون معها بالتبشير وهز الأيدي للمجلود الراكز.
ينتهي الحفل بانتهاء العرضة التي هي في شكل دائرة كبيرة محفوفة بالشباب الفتيان والأطفال الجدعان بمغيب الشمس أو قريب من ذلك.
رقيص العروس
تأخذ العروس بتعلُّم الرقص عن طريق معلمات مختصَّات في هذا المجال مع أغاني مخصوصة بعينها وأداء بعينه وإيقاع مخصوص على الدَلُّوكة وبمهارة جيدة منها مثلاً:
الورد انفقع
ألحق يا عريس العروس ما تقع
وهناك بعض الأغاني الخليعة المنافية للآداب والذوق العام وخادشة للحياء أمتنع عن ذكرها ههنا احتراماً للقارئ الكريم وأعتبرها من المتغيرات الإيجابية بلا شك.
وأهم ما في رقيص العروس هو ما يعرف بـــ ” الشَبَّال ” ويكون بتوشيح شعر الفتاة العروس على زوجها بصورة مغرية ومثيرة في الغالب كأن تضربه به ضربة خفيفة فتلمسه وتجد الحضور يصرخون ويزغردون بشدة إمعاناً في زيادة الشَبَّال.
كانت حتى فترة الثمانينيات وأوآخر التسعينيات من القرن العشرين معلمات مخصوصات لتعليم الفتيات المقبلات على الزواج فن الرقص ومشهورات جداً أذكر منهن على حسب المثال لا الحصر : الفنَّانة قسمة ونصره وحواء جاه الرسول ، والأخيرة مشهورة بــــ “حواء الطقطاقة”.
للرقص ملابس مخصوصة أيضاً وغالباً ما تكون قصيرة وشفَّافة بيد أنَّها ساترة للجسم ويحضر تعليم العروس مجموعة من النساء من الأقارب والأصدقاء والمعارف وكان في الزمن القديم يحضر التعليم بعض الرجال أو الشباب لكن بعد إعلان الشريعة الإسلامية في السودان سنة 1991 م منع منعاً باتاً اختلاط الرجال مع النساء ولا حتَّى الأطفال وبالأخص في رقيص العروس لمخالفته الشرع والآداب العامَّة ويعاقب كل من يخالف ذلك بالسجن أو الغرامة أو الاثنين معاً وحصر مشاهدة وحضور التعليم للفتيات فقط لا غير.
فِرْكَةُ القَرْمَصِيْص
عبارة عن ملاءة مزركشة بالألوان مصنوعة من الحرير الصافي الخفيف وتوضع على رأس العريس أو العروس أثناء طقوس الحِنَّة وهي ضرورية للغاية ورُبَّما وُضعت أكثر من فِركتين ودونه سجادة أو ملاءة أو بطانية ناعمة ملساء مُزيَّنَة بأشكال عديدة ثقيلة الصنع ومطرَّزة في الأطراف بأشكال رائعة للغاية ولا تستعمل إلَّا في مثل تلك المناسبات وغالباً ما يجلس المتحنِن على “عَنْقَريْبْ” خشبي منسوج من سعف النخل ولحاءه أو جريده بعد تبلله بالماء حتى يلين ليسهل بعد ذلك استعماله واستخدامه.
بالمناسبة، أول من استعمل هذا العنقريب قيل هي السيدة أسماء بنت عميس الصحابية الجليلة رضي الله عنها والتي وفدت لبلاد الحبشة – وهو اسم السودان قديماً – في هجرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأولى في السنة الخامسة من المبعث النبوي الشريف الموافق لسنة 616 للميلاد، فقد رأت الأحباش يستخدمون العناقريب / عنقريب مفرد والجمع عناقريب / بذات الشرح السابق وأرجله أو قوائمه الأربع مصنوعة يدوياً باستعمال آلات بسيطة للنحت من جذوع الشجر القوي ، منه شجر النيم والتبلدي، وشجر النيم أصله من بلاد الهند وليس من بلاد السودان كما تعلمون، ونُقلت هذه الفكرة لبلاد جزيرة العرب؛ وكانت الأحابيش تستخدمها في نقل موتاهم للدفن؛ ومن ثَمَّ انتقلت إلينا التجربة في بلاد السودان منذ ذلكم الوقت وحتى اليوم أو قل: أتت مننا وعادت إلينا فهذه بضاعتنا رُدَّت إلينا، وتستخدم العناقريب في تحضير الجثامين ونقلهم لمدافنهم، وكذلك في بقية المناسبات.
من عادتنا المحلية والمعتقدات ربط هطول المطر في موسم الخريف بشكل النعش والعنقريب بتمعن النظر في السماء فترى سبعة نجوم متقاربات، أربعة منها على شكل مستطيل يعرف بـــــ “العنقريب” يتبعها ثلاث نجمات عند أحد القوائم الأربع من الأسفل يعرفن بـــــ “بنات نعش” وتجسيد هذه الفكرة تشابه لحد بعيد فكرة عنقريب الأحابيش والذين يحملون النعش فوق أكتافهم في عُرف السودانيين منذ ذلكم الوقت وربما عرفوا بها منازل المطر في موسم الخريف مُبَشِّرَاً كان أم مُنَفِّرَاً.
تستمر القيدومة عُدَّة أيام، وتتنقل في الحي من بيت لآخر حسب علاقات العريس مع أبناء الحي وغالباً ما ينتمون لمجموعة سكانية واحدة أو أسرة واحدة كبيرة وممتدة في المنطقة ومعروف التكاتف والتكافل والتعاون الاجتماعي في مثل تلك الحالات فلا تكون تكلفة الدعوة على صاحبها فقط بل يجمعون ما تيسر من المال وتجهيزات الوليمة ومراسم الدعوة كل حسب استطاعته ويعرف عندنا بــــــــ “الكَشِفْ أو النُقْطَة” وهو أن يضع المدعو مبلغاً من المال في شكل مساعدة مالية تعين صاحب الدعوة في تجهيزاته لتقليل التكاليف قدر الإمكان وهو أمر مُشاع بينهم في السراء والضراء وحين البأس ولا يتحرجون من ذلك فهي من باب البر والتعامل الكريم فيما بينهم يسدون بها حاجاتهم ويدفعون بها للمحافظة على استمرارية لُحمتهم وعمل الخير بينهم وهكذا.
عَقْدُ القِران
غالبية شعب السودان يتبع لمذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه؛ ويتبعون شروطه ومذهبه في غالبية فتاواه الدينية وتلامذته وهم سُنِّيون مالكيون؛ ومن ضمن صحة شروط عقد النكاح:
1 / الايجاب والقبول.
2 / الإشهار.
3/ الشهود.
4/ البلوغ أو الرشد.
عادة ما يقوم بإجراء التعاقد شيخ القرية أو إمام المسجد أو وجيههم ما لم يكن هناك موفداً بعينه من قبل الشؤون الدينية بعمل الإجراءات اللازمة حيال ذلك ويعرف بـــــ “المَأْذُون”.
يجلس وكيلا الزوجين يتوسطهما المأذون ويرددان خلفه صيغة النكاح بعد أن يلقي كلمة قصيرة لتذكير الناس بسنة الزواج يحث الشباب بالعفاف والزواج، ويقرأ الجميع الحضور سورة الفاتحة ويعقبها الدعاء بالبركة والذرية الصالحة.
في كتاب الأحاديث القدسية، لا أذكر اسم الكاتب لطول العهد به لكني أذكر الخطبة التي فيه، أنه أورد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم عند زواج فاطمة الزهراء عليها السلام لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، تقول: { الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع لسلطانه،ةالنافذ أمره في أرضه وسماءه، الذي خلق الخلق بقدرته وأعزهم بدينه وأكرمهم بنبيه محمد }، لكن هذه الخطبة لا تقال في مناسبات العقد اليوم بل لا تكاد تُعرف بل يتلو المأذون بعض آيات قرآنية أول سورة النساء { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً } والحجرات { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير } ثم يقوم الحاضرون بالتهاني والتبريكات بينهم.
وبذلك يتم القِران بين الزوجين على سنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، شرعاً وعرفاً.
يتم أثناء العقد توزيع الحلوى والمخبوزات والعصائر مثل الكركدي وشربات الليمون ويقدَّم البلح، وفي العصر الحديث توزع الجاتوهات والحلويات المصنوعة البديلة للبلح والبيبسي كولا والفانتا المشروبات الغازية البديلة للكركدي وشربات الليمون فتأمَّل يا هداك الله.
ليلة الزِفَافِ
تمضي مراسم وطقوس الزواج لتصل إلى يوم الدعوة الرسمية فتكون ليلة “الدُخْلَةُ” فيها أو قبلها بيوم أو بعدها بيوم حسب التقديرات والظروف المحيطة بطرفي الأسرتين وحسب ما هو متفق عليه من قبل؛ فتنصب الخيام وتذبح الذبائح ويقدم الطعام والشراب، فتكون إمَّا شراكة بينهما في ذات الوقت أو بالانفراد كلٌ لحاله وخاصته وأهله ومعارفه وما أشبه؛ وقد استبدل نصب الخيام اليوم أمام البيوت بإقامة المناسبة في صالات فخمة وضخمة مُعَدَّة ومُجهزة خصيصاً لتلك المناسبات الاجتماعية وما على الزوج إلَّا أن يدفع تكاليف الدعوة لصاحب الصالة ويتكفل هو بكل شيء من طعام وشراب وكراسي وترابيز وهلم جرا بحساب معين.
قطعُ الرَّحط
“قَطْعُ الرَّحَطِ” يكون بعد انتهاء الزفاف ويُقام فيها ما يعرف بـــــ “رقيص العروس”، وهو عبارة عن قطعة منسوجة من السيور معقود فيها خرزات منتظمات من حبَّات السُكْسُكِ المزركش والمختلف الألوان والأحجام في تناسق تام ورُبَّما لون واحد في بعض الأحيان؛ وتلبسه الزوجة في خصرها مع لبس خفيف بين أترابها في معية العريس الزوج فيقوم الزوج أثناء الرقص بقطع بعض هذه الخيوط أو السيور حوالي سبع سيور أو خرزات أيُّهما كان بينما تتعالى أصوات النساء بالزغاريد وبالتباشير وبالنشيد، ويُقصد به قطعُ الحظ السالب “الفَقر” من حياتها بدخولها حياة جديدة وتجربة زواج جديدة ونقلها من مرحلة الأنوسة أو قل: العنوسة لمرحلة الزوجية بينما أترابها في حالتهن لم يحالفهن الحظ بعد بشريك الحياة.
الجِرْتِق
تنتهي طقوس ليلة الزفاف بما يعرف بــــــ “الجِرْتِقْ”، وهو ذات طقوس الحِنَّاء أو القيدومة بإضافة لبن ينثرانه في وجهيهما دلالة على الدلع والتدلل والقَبول، قال الشاعر امرؤ القيس الكندي:
أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل * وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
وإن تك قد ساءتك مني خليقة * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
قد أغرك أن حبك قاتلي * وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي * بسهميك في أعشار قلب مقتل
مع الضحك والتمايل ونثرات العطور في جو الجرتق بين الحضور وهما يتمايلن حباً وكرامة في سرور وحبور.
ثم تمضي الحفلة لنهاياتها بدخول الزوجين قفص الزوجية ، قال المنشد:
الشتيلة الفوق جدولا (أي الشتلة الصغيرة، تُشبه الفتيات الصغيرات المقبلات على الزواج بالشتلة وتصغيرها الشتيلة كناية عن التدلل للمحبوبة)
مديت ايدي أتناولا (يريد قطفها)
حراريسها قالوا لي لأ (أي الحُرَّاس)
انت فقري وما بتقدرا
ولعلَّه يقدر بجدارة، والله أعلم.
مخلفان الأهل والإخوة والعشيرة وراءهما ليبدأ فصل جديد بذات الطريقة في بيت ما بين شابين جديدين على الشريط النيلي الطويل وهكذا تستمر الحياة.
الصُبْحِيَّة
صبيحة اليوم التالي لليلة الزفاف أو ليلة الدُخْلَةِ ؛ غالباً ما تكون هناك وليمة خفيفة لمن تبقَّى من المعازيم والأهل والضيوف وخلافه الذين لم يتمكنوا من المغادرة ليلتها بسبب السفر من وإلى ؛ أو لبُعْد المسافة بين بيت العِرس وبين مساكنهم أو بسبب المجاملة أو الظروف مثلاً، وتسمى بـــــ “الصُبْحِيَّة”، وربما تشمل الثلاث وجبات الفطور والغداء والعشاء؛ طيلة اليوم بذات الأريحية.
الســــــــيْرَة
أمسية هذا اليوم وقبل غروب الشمس بقليل أي الوقت ما بين العصر والمغرب هناك طقس يُمارس تكملة لما تقدَّم من مراسم وهو ما يعرف بـــــــ “السيْرَة” وأصلها من المسير من بيت الزوجية للنيل، خلاف السيرة الأولى من أم درمان مثلاً وحتى البلد بطيبة الخوَّاض أو ديم القرَّاي أو المتمة أو كل المناطق بالشريط النيلي، وهي مسير (تنطق السين المهملة بالإمالة وبتخفيف الهاء المعجمة والياء وفتح الراء المهملة) العروسان للبحر؛ ويطلق على النيل في عاميتنا السودانية “البحر”، ومعهما جماعة من الأهل والمعارف والأصدقاء من الطرفين ما لم يكن الزوجان أقرباء بالرحم فيكون الحال من بعضه، فيدخلان الماء ويغسلان أقدامهما ومعهم بقية الشباب والشابات ويقطعان جرايد النخل تيمناً بحياة زوجية سعيدة ومفارقة لعهد العنوسة والعزوبية، تتخللها الزغاريد ودق الدلوكة بإيقاع معين وصوت نسائي رخيم ورقيق:
عريسنا قطع جرايد النخل
يا عديلة ليه
وبغروب شمس “الصُبْحِيَّة” تنتهي مراسم الزواج كليةً ويتفرق الجميع أيدي سبأ بعد التبريكات والتهاني للعروسين بحياة مباركة وذرية صالحة كلٌ لحال سبيله.
نهاية الرحلة
ورجعت لمدينتي الواعدة الرائعة التي تنام على نهر النيل الخالد بالضفة الغربية من أم درمان بيت المال في اليوم الرابع من ذات الأسبوع وأنا أحمل طي ذاكرتي مع التجربة هذه الكلمة الطويلة التي بين يديك أيها القارئ الكريم وذات الشخوص يرددون أغاني السيرة والدلوكة أمثال:
يا عديلة يا بيضاااا
يا ملايكة سيري معاااااا الليلة شوياً بي قُدُرْتَ الله
ود العزة والمهلة عروسو ضوَّت السهلة
الليلة شوياً بي قدرت الله
أبشر ااااا العريس أبشر؛ ويأشرون لأحدهم مظنة أن يكون الدور عليه.
( يتبع )



