إن تشكيل حكومة المنصوري، بمشاركة أحزاب ذات مرجعيات وطنية واجتماعية واقتصادية متنوعة، يفتح المجال أمام اختبار سياسي وتنموي مهم في المغرب. ويتمثل هذا الاختبار في مدى قدرة الائتلاف على تحويل التوافق الحزبي إلى برنامج إصلاحي يوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ويجعل التوزيع العادل للثروة والفرص جزءًا أساسيًا من السياسات العامة.
يحمل تشكيل الائتلاف الحكومي في المغرب بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، بمشاركة أربعة أحزاب سياسية هي الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، دلالات سياسية واجتماعية واقتصادية تتجاوز مجرد تشكيل أغلبية برلمانية، لتفتح النقاش حول طبيعة السياسات العامة التي يمكن أن تتبناها الحكومة، ومدى قدرتها على الاستجابة للتحديات المعيشية والتنموية التي تواجه المجتمع المغربي.
وتنبع أهمية هذه التركيبة الحكومية من تنوع المرجعيات الفكرية والسياسية للأحزاب المشاركة فيها، بما يجمع بين التوجه الوطني لحزب الاستقلال، والمرجعيات الاجتماعية والاشتراكية المعتدلة لحزبَي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، إلى جانب التوجه الوسطي لحزب الأصالة والمعاصرة.
ويتيح هذا التنوع، من حيث المبدأ، إمكانية بلورة مقاربة سياسية واقتصادية أكثر اهتمامًا بقضايا العدالة الاجتماعية، وتقليص الفوارق، وتعزيز التوزيع العادل للثروة والفرص.
من الأغلبية البرلمانية إلى الأولويات الاجتماعية
إن حصول الأحزاب الأربعة مجتمعة على 207 مقاعد برلمانية، متجاوزة عتبة الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، يمنح الائتلاف قاعدة سياسية تمكّنه من العمل على تنفيذ برنامجه الحكومي.
وقد أكد البيان المشترك للأحزاب المشاركة توجهها نحو تشكيل أغلبية سياسية منسجمة، تتقارب مكوناتها في الرؤية الإصلاحية، وتعمل على تشكيل حكومة قادرة على تنفيذ برنامجها.
غير أن أهمية الأغلبية البرلمانية لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي تمتلكها، أو بدرجة الانسجام السياسي بين مكوناتها، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الانسجام إلى سياسات عامة تستجيب للاحتياجات الفعلية للمواطنين.
فالتحدي الأساسي أمام الحكومة يتمثل في الانتقال من التوافق السياسي إلى الإنجاز الاقتصادي والاجتماعي، ومن صياغة البرامج إلى تحقيق نتائج ملموسة في حياة المواطنين.
وفي هذا السياق، تبرز قضايا التشغيل، وتحسين القدرة الشرائية، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، باعتبارها ملفات أساسية يمكن من خلالها قياس مدى استجابة الحكومة لتطلعات المجتمع المغربي.
العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة
تكتسب العدالة الاجتماعية أهمية خاصة في تقييم توجهات الحكومة الجديدة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بتقليص الفوارق بين الفئات الاجتماعية والمناطق الجغرافية، وتحقيق قدر أكبر من تكافؤ الفرص في الوصول إلى الخدمات والموارد الاقتصادية.
فالنمو الاقتصادي، على أهميته، لا يمثل غاية مستقلة عن المجتمع، بل ينبغي أن ينعكس على مستوى المعيشة، وأن يسهم في تحسين فرص العمل والدخل، وتعزيز قدرة الفئات محدودة الدخل على تلبية احتياجاتها الأساسية.
ومن هنا، فإن نجاح السياسات الاقتصادية لا ينبغي أن يقتصر على معدلات النمو والاستثمار، بل يجب أن يشمل أيضًا مدى عدالة توزيع ثمار التنمية، وقدرتها على الحد من التفاوتات الاجتماعية والمجالية.
وتتيح المرجعيات الاجتماعية لبعض مكونات الائتلاف فرصة لطرح سياسات أكثر اهتمامًا بهذه القضايا، سواء من خلال توجيه الإنفاق العام نحو القطاعات الاجتماعية، أو دعم الفئات الهشة، أو توسيع فرص الإدماج الاقتصادي للشباب، أو تعزيز التنمية في المناطق الأقل استفادة من الاستثمارات والخدمات.
غير أن ترجمة هذه الإمكانات إلى واقع فعلي ستظل مرتبطة بمضامين البرنامج الحكومي، وأولوياته، وآليات تمويله وتنفيذه.
التعدد الحزبي واختبار الانسجام الحكومي
يمثل تنوع المرجعيات السياسية داخل الائتلاف الحكومي عنصرًا يستحق الاهتمام؛ إذ يمكن أن يوسع قاعدة النقاش حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، ويتيح الجمع بين متطلبات النمو الاقتصادي وضرورات الإنصاف الاجتماعي.
لكنه قد يطرح، في الوقت نفسه، تحديات تتعلق بترتيب الأولويات، وتوزيع المسؤوليات، والتوفيق بين التصورات المختلفة بشأن دور الدولة في الاقتصاد والحماية الاجتماعية.
ومن ثم، فإن الانسجام الحكومي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد توافق بين الأحزاب على تشكيل الأغلبية، بل بوصفه قدرة مؤسسية على صياغة سياسات واضحة، وتحديد المسؤوليات، وتنسيق عمل القطاعات الحكومية، وتقييم النتائج وفق مؤشرات قابلة للقياس.
كما أن فعالية الحكومة ستتوقف على قدرتها على تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار والنشاط الاقتصادي من جهة، وضمان الحماية الاجتماعية وتكافؤ الفرص من جهة أخرى.
فالتنمية المستدامة تتطلب بيئة اقتصادية قادرة على خلق الثروة، وسياسات عامة تضمن وصول منافعها إلى شرائح المجتمع المختلفة.
المواطن المغربي معيار النجاح
على الرغم من الدلالات السياسية والاجتماعية التي يحملها تشكيل الحكومة الجديدة، فإن الحكم على توجهاتها ونتائجها لا يمكن أن يستند إلى الخلفيات الفكرية للأحزاب المشاركة فيها وحدها.
فالمعيار الحقيقي يتمثل في السياسات التي ستعتمدها الحكومة، ومدى قدرتها على الاستجابة للاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية، والنتائج التي ستتحقق على أرض الواقع.
وسيكون المواطن المغربي الطرف الأكثر قدرة على تقييم هذه النتائج من خلال ما يلمسه في حياته اليومية، سواء تعلق الأمر بفرص العمل، أو جودة الخدمات العامة، أو القدرة على مواجهة تكاليف المعيشة، أو إمكانية الوصول إلى التعليم والصحة والسكن اللائق.
وتتطلب هذه المهمة وضوحًا في الأولويات، وشفافية في إدارة الموارد العامة، وربطًا بين المسؤولية السياسية والمساءلة عن النتائج، إلى جانب اعتماد سياسات تنموية تراعي الفوارق بين المناطق والفئات الاجتماعية.
وفي المحصلة، لا تكمن أهمية الحكومة في اتساع أغلبيتها البرلمانية أو تنوع مكوناتها السياسية فحسب، بل في قدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين.
فنجاحها سيظل مرتبطًا بمدى قدرتها على جعل التنمية أكثر شمولًا، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز فرص العمل والحماية الاجتماعية، بحيث يصبح المواطن المغربي محور السياسات الحكومية وغايتها الأساسية، وتتحول العدالة الاجتماعية من توجه معلن إلى نتائج قابلة للقياس والتقييم.




