مع مطلع عام 2026، تدخل الجزائر مرحلة دقيقة من تاريخها الاقتصادي والسياسي. ففي الوقت الذي تروّج فيه السلطة لخطاب تفاؤلي عن “إقلاع اقتصادي” و“تحوّل هيكلي”، تكشف الوقائع المالية والاجتماعية عن دولة تعيش على الزمن المستقطع، وتشتري السلم الاجتماعي بريوع آيلة للنضوب، في ظل غياب رؤية استراتيجية، واستشراء الفساد، وانغلاق سياسي خانق.
قانون المالية لسنة 2026 يجسّد هذا التناقض بوضوح صارخ. فقد رُصدت ميزانية قياسية تناهز 17.636 مليار دينار، مقابل إيرادات لا تتجاوز 8.009 مليارات دينار، ما يخلّف عجزًا غير مسبوق يقارب 9.627 مليارات دينار، أي ما بين 12 و13% من الناتج الداخلي الخام.
في الاقتصادات المستقرة، يُعدّ تجاوز عجز 3% من الناتج الداخلي الخام إشارة إنذار. أما في دولة ريعية كحال الجزائر، فإن هذا المستوى من العجز يشكّل خطرًا بنيويًا حقيقيًا.
السلطات تراهن على نمو بـ 4.1% في 2026، غير أن صندوق النقد الدولي أكثر تحفظًا (3.4%)، بينما يضع البنك الدولي التوقع بين 3.5% و3.8%. هذه الأرقام، وإن بدت إيجابية ظاهريًا، تُخفي حقيقة أساسية: النمو الحالي هشّ، مدفوع بالإنفاق العمومي وأسعار الطاقة، لا بتحوّل بنيوي في الاقتصاد.
اقتصاد الريع.. شراء الزمن بدل صناعة المستقبل
قلب السياسة الاقتصادية في عهد تبون يقوم على منطق واحد: شراء الوقت الاجتماعي عبر الريع النفطي.
أكثر من 6.000 مليار دينار خُصصت للتحويلات الاجتماعية (دعم، معاشات، إعانات، بطالة).
منها 438 مليار دينار لبرامج “دعم التشغيل”، تشمل منحة البطالة التي ارتفعت إلى 18.000 دينار شهريًا، ويستفيد منها أكثر من 2.3 مليون شاب.
هذه السياسة لا تهدف إلى الإدماج الاقتصادي بقدر ما تهدف إلى تحييد الغضب الاجتماعي. إنها آلية “تخدير جماعي” مؤقتة: «ندفع لكم لكي لا تخرجوا إلى الشارع».
لكن ماذا يحدث يوم تتراجع أسعار النفط؟ يوم تصبح الدولة عاجزة عن تمويل هذا السلم المصطنع؟
التجارب الريعية عبر التاريخ تجيب بوضوح: انفجار اجتماعي عنيف ومفاجئ.
الجزائر تعتمد في أكثر من 90% من صادراتها على المحروقات، وتستمد ما بين 35% و40% من موارد ميزانيتها من هذا القطاع المرتبط مباشرة بتقلبات الأسواق العالمية. أي أن مصير ملايين المواطنين مرتهن بسعر برميل في بورصات نيويورك ولندن.
دولة غنية.. واقتصاد مريض
الجزائر ليست بلدًا فقيرًا. ناتجها الداخلي الخام الاسمي يقارب 260 مليار دولار (2025)، وديونها الخارجية محدودة، واحتياطاتها من العملة الصعبة لا تزال “مريحة نسبيًا”.
لكن المشكلة ليست في الموارد.. بل في الدولة التي تديرها. أكثر من 30% من الكتلة النقدية خارج النظام البنكي.
بالإضافة الجزائر مُدرجة على “اللائحة الرمادية” لمجموعة العمل المالي (GAFI).
– ترتيبها في مؤشر مدركات الفساد سنة 2024: 107 من أصل 180 دولة، بدرجة 34/100.
– بطالة رسمية: 11.2%.
– بطالة الشباب تتجاوز 25% في ولايات داخلية عديدة.
وتشير دراسات البنك الدولي إلى أن الاقتصادات التي تعاني من هذا المستوى من الفساد تخسر سنويًا ما بين 2% و4% من ناتجها الداخلي الخام بسبب سوء تخصيص الموارد وهروب الرساميل.
في الحالة الجزائرية، يعني ذلك خسارة محتملة تتراوح بين 5 و10 مليارات دولار سنويًا كتكلفة غير مرئية للفساد وسوء الحوكمة.
النتيجة: اقتصاد مشلول، قطاع خاص خائف، مستثمر أجنبي متردد، وشباب لا يرى مستقبله إلا خارج الوطن.
الهجرة غير النظامية لم تعد فعل يأس فردي، بل صارت حلمًا جماعيًا لجيل كامل. بين 2021 و2024، وصل إلى أوروبا أكثر من 180 ألف جزائري بطرق غير نظامية.
أكثر من 60% منهم دون الثلاثين. وهذه ليست “هجرة فقر” فقط، بل تصويت جماعي بالقدم ضد النظام.
دولة تحت القفل.. وسلطة بلا أفق
نظام تبون يقوم على ثلاث ركائز وهي:
1- التحكم الأمني في المجتمع.
2- شراء السلم الاجتماعي بالريع.
3- احتكار القرار داخل دائرة ضيقة عائلية–عسكرية.
كما أن الاقتصاد يُدار بمنطق أمني لا بمنطق تنموي. والعدالة أداة ردع لا مؤسسة تحكيم. أما القطاع الخاص يُسامَح إذا خضع، ويُدمَّر إذا تمرّد.
في هذا السياق، تصبح “الإصلاحات” مجرد شعارات. وتتحول “الرقمنة” و“تحديث الجباية” إلى عمليات تجميل إدارية لنموذج متعفّن.
الدولة لا تُصلِح، بل تؤجّل.
لا تبني، بل تُسكّن.
لا تُخطّط، بل تُراكم المخاطر.
بين الوهم والانهيار المؤجَّل: الجزائر في حالة ركود نمو مدفوع:
بأسعار الطاقة
بالإنفاق العمومي
بتآكل الدينار
وليس:
بالإنتاجية
بالابتكار
بالصناعة التنافسية
بالثقة
وجدير بالذكر، قانون مالية 2026 لا يؤسس لاقتصاد جديد، بل يمدّ في عمر نموذج ميت سريريًا. إنه ليس أداة تحوّل، بل أداة تأجيل.
الدول لا تنهار فقط عندما تفلس، بل عندما تفقد الثقة، والأمل، والمعنى. والجزائر اليوم.. تفقد الثلاثة معًا.
خلاصة القول: ليست المشكلة أن الجزائر فقيرة، بل أن الدولة التي تحكمها عاجزة عن تحويل ثروتها إلى مستقبل، في ظل استفحال الفساد والمحسوبية والشعارات الواهية.
يتبع..




