أعلن البيت الأبيض، أمس الجمعة، عن تشكيل ما سُمّي بـ“مجلس السلام” الدولي، الهيئة التي ستتولى الإشراف على إدارة قطاع غزة ضمن الرؤية السياسية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، في خطوة تأتي في لحظة شديدة الحساسية، حيث يعيش القطاع على وقع هدنة هشة وأوضاع إنسانية توصف بالكارثية.
ويُنظر إلى هذا المجلس باعتباره محاولة لفرض إدارة دولية مؤقتة لسد الفراغ الأمني والإداري في غزة، من خلال تركيبة تجمع بين القرار السياسي والنفوذ المالي والخبرة العسكرية، وسط انقسام دولي واضح حول مشروعية هذا المسار وقدرته على إنهاء صراع ممتد منذ عقود.
ووفق بيان رسمي للبيت الأبيض، سيترأس دونالد ترامب المجلس شخصياً، بمشاركة شخصيات بارزة في دوائر النفوذ الأميركي والغربي، من بينها وزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس السابق وأحد مهندسي اتفاقيات التطبيع، إضافة إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي يثير حضوره جدلاً بسبب إرثه المرتبط بحرب العراق، إلى جانب الملياردير مارك روان لتعزيز البعد الاستثماري، وأجاي بانغا رئيس البنك الدولي لضمان تدفقات تمويل إعادة الإعمار.
أما على المستوى الميداني والدبلوماسي، فقد تم تعيين نيكولاي ملادينوف، المنسق الأممي السابق، “ممثلاً سامياً لغزة”، فيما أوكلت قيادة “قوة الاستقرار الدولية” إلى الميجور جنرال جاسبر جيفيرز، استناداً إلى تفويض أممي صدر في نوفمبر الماضي لبسط الأمن في القطاع.
وبالتوازي مع هذا الإطار، أعلنت واشنطن عن إنشاء “مجلس تنفيذي لغزة” يضم 11 عضواً لدعم الهيئة التكنوقراطية الفلسطينية، ويضم أسماء وازنة مثل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ووزيرة الدولة الإماراتية ريم الهاشمي، والمنسقة الأممية للشؤون الإنسانية سيغريد كاغ، إضافة إلى رجل الأعمال الإسرائيلي القبرصي ياكير جاباي.
ورغم إعلان إسرائيل وحركة “حماس” موافقتهما على الخطة كمرحلة انتقالية، فإن غياب التمثيل الفلسطيني في المجلس القيادي الأساسي أثار موجة انتقادات واسعة.
واعتبرت منظمات حقوقية وخبراء دوليون أن النموذج المطروح يعيد إنتاج منطق “الوصاية الخارجية”، متجاوزاً مبدأ السيادة الوطنية، ومثيراً تساؤلات حول شرعيته الشعبية داخل غزة، خاصة في ظل حضور شخصيات مرتبطة بإرث استعماري في المنطقة.
ويأتي هذا التطور السياسي في وقت لا تزال فيه الهدنة المعلنة منذ أكتوبر الماضي تتعرض لخروقات متكررة خاصة من الجانب الإسرائيلي.
إذ تشير المعطيات الميدانية إلى استشهاد أكثر من 450 فلسطينياً، بينهم نحو 100 طفل، إضافة إلى مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين، منذ بدء وقف إطلاق النار.
كما ما زالت غزة ترزح تحت آثار العملية العسكرية التي انطلقت أواخر 2023، مخلفة عشرات الآلاف من الضحايا وأزمة نزوح ومجاعة واسعة النطاق.
وفي حين تتحدث لجان تحقيق أممية عن مؤشرات قد ترقى إلى “إبادة جماعية”، تصر إسرائيل على تبرير عملياتها باعتبارها “دفاعاً عن النفس”، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والإنساني، ويضع “مجلس السلام” الجديد أمام اختبار صعب بين إدارة الأزمة وتكريس واقع الوصاية.




