
غفرت، هو عنوان سيرة لفؤاد حسون، ترجمه من الفرنسية إلى العربية الصديق الأب د. الخوري مخائيل قنبر، صدر مؤخّرا عن دار الشرق. سيرة بطل فقد بصره في شبابه إبان الحرب الأهلية في لبنان على إثر انفجار سيارة ملغومة بفرن الشّباك، ببيروت.
جاء الكتاب الذي سنكشف عن جوانب مما رشح به، في وقته، في لبنان الذي هو اليوم أحوج للتسامح والغفران، كما يشير الكاردينال بشارة بطرس الراعي (بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق) في تقديمه للترجمة العربية قائلا:” فاغتنت المكتبة العربية بهذا الكنز النفيس من عظمة الغفران في مجتمع هو بأمسّ الحاجة إليه، لأنه رازح تحت أثقال الكيدية والثّأر والحقد..”.
في مقدمة المترجم، الأب ميخائيل، الذي أشكره بالمناسبة لأنه مكنني من الإطلاع على هذا العمل النفيس، حيث لست بصدد قراءة كتاب، بل ساق لي القدر هذا السّمت الغُفراني لكي أتعلّم، لكي أجد في قيمة الغفران علاجا، لكي نولد من جديد، الولادة الثانية التي يتيحها الغفران، الغفران فقط. فدرس فؤاد حسّون هو بالفعل حاجة لبنانية ملحّة، لكنه أيضا حاجة عربية وإنسانية، حيث من خلالها أكتشف شكلا جديدا من الفتوّة، التي تُحْيِي النّاس جميعا، بموقف محو الذّاكرة الأليمة، التسامي بالألم إلى مشروع انبعاث السّلام. حاجتي أيضا لأنّني اكتشفت طريق السلام، أن أغفر، لأنّه ليس هناك من طريق للعدل الحقيقي سوى الإحسان نفسه، عدل لأنّه يعكس استيعابا أوفى لطبيعة الضعف البشري الذي لا سبيل لتحويله إلى قوّة سوى بالتسامح والغفران.
أعود إلى عبارة الأب ميخائيل في تقديمه لترجمته، وهو أديب يُحسن تدبير الكلمة كما يُحسن تأمّل الكلمة. يرسم للكتاب هدفا أسمى، أسمى من أن يكون دليلك إلى ذاكرة قاتمة إن كنت في خريف العمر، أو دليلك إلى معرفة مجريات الحرب الأهلية في سبعينيات القرن الماضي إن كنت في ربيع العمر، بل هو في نظر الأب ميخائيل، بمثابة دليل لمعرفة الأمل والرجاء والجهاد والكفاح والصبر والحب…هو باختصار مدرسة للحياة، إنها حسب المترجم، دعوة للسير على درب البطولة الحقّة، أمّا صاحب السيرة، فهو في التوصيف الجميل للأب ميخائيل، إسم على مسمّى فؤاد حين تستشعر نبضات الكاتب، وهو تغريدات حسون ، حيث سيرة حسون هي في نظره “سمفونية غفران يجب أن يتردد صداها في أقطار العالم”.
ما أن فقد فؤاد حسون بصره، حتى تغيرت أحلامه ومشوار حياته. فلقد تخلّى دراسته لطب العيون كي يلتحق بجامعة ليون وينتقل إلى اختصاص آخر، دراسة المعلوماتية والرياضيات، ما مكنه من العمل على تطوير تقنيات تساعد العميان على استعمال الحاسوب، وفي هذا السياق أنشأ شركة لتسويق اكتشافاته.

ولد فؤاد حسون عام 1968. سماه أبوه فؤاد الذي يعني القلب عربيا، كما يعني القلب النابض باللغات السامية، القلب المقدس. يهمّني من كل هذا عبارة فؤاد في حنينه عبر الولادة الثانية وهو يتشوف لرؤية أمه باعتبار أنّها أوّل ما يدركه مولود، كما يهمني التوقف عند وفائه للطفل، حيث هنا تُمتحن الرحمة والغفران، يقول: ” وعلى الرغم من ثقل السنين، بقي هذا القلب كما قُدِّم إليّ: قلب طفل، ريده قلب حبّ، وأنا أأعتني به من أجل ذلك”.
كانت الولادة بهيجة بالروحانية، حين كُرس المولود أو القلب النابض لمريم العذراء في معموديته، لأمّه السماوية التي تركت روحانيتها كوشم على جسده، يصف يوم ولادته
“ولدت في الأول من شهر أيار، في يوم زنبق الوادي. فعندنا هذا اليوم، هو يوم مريم العذراء، يوم عيد، يوم ربيعي منمق، مبهج مشمس. أنا فخور لأنني ولدت في مثل هذا اليوم وهذا التاريخ، وسيطبع هذا التاريخ الأحداث الكبرى في حياتي، فأنا صُنع في أيّار”.
أنت إزاء سيرة بقدر ما تتفنّن في عرض المأساة، تخدعك منهجيا، لتأخذ بيدك إلى التجاوز، إلى أن تدرك جمالية الغفران، والتسامي والانتصار على الألم. لقد فقد فؤاد بصره وهو ممتلئ بالأمل والحلم، واصفا جانبا من المشهد بالقول: ” في اللحظة نفسها التي دوّى فيها صوت انفجار صمّ الآذان، شعرت كأنّ سوطا قد ضربني في وجهي، وقوة رهيبة قذفتني عدة أمتار. عندها لم أعد أرى شيئا”.
لم يعد فؤاد ير شيئا، بل لم يعد يسمع شيئا، بل لقد ” ساد بعد ذلك صمت رهيب، حتى أنّني تمكنت من سماع صمتي الداخلي بقوة،ولم أعد أر شيئا”.
خرج فؤاد كما يصف وضعيته من تحت الأنقاض ممزقا ومفككا ومشتتا ومحطّما في عداد الموتى.
لبنان الكبير بتاريخه الصغير في مساحته، يتذكر قولة القديس يوحنا بولس الثاني بأنّ” لبنان أكثر من وطن، هو أكبر من بلد، هو رسالة للعالم”.
لكي نواجه الكراهية بالمحبة، علينا أن نتأمّل محنة السيد المسيح، بينما هو يقول: اغفر لهم لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون، كانت الجماهير تقول: اصلبه. التحدي الأكبر هي أن تكون في الطرف الآخر، تواجه الكراهية بقولته:” أحبك أكثر فأكثر”.
تحرر فؤاد حين اهتدى إلى طريق الغفران والمحبة. اكتشف أن مُنفذ الجريمة كان مجرد مدمن على المخدرات، قدم هذه الخدمة مقابل حفنة من الدولارات. وحين أخبر فؤاد بالقصة، تأسّف عليه، كما علم أن منفذ العملية عند مغادرة السجن أصبح في خدمة المعوزين. لقد أصبح محبا للآخرين.
حين انطلق فؤاد في مسيرة التسامح، بدأ يحب، لكن هذا لم يمنع من أن يستمر في ادراك ماهية الحب. إننا جميعا لا زلنا عاجزين أمام الحبّ الحقيقي، لا زلنا لم نحب الآخر كأنفسنا، بل لا زلنا لا نحبّ أنفسنا.
كتاب “غفرت” ينطوي على تفاصيل مُلهمة للتسامح كشعور مُعاش، كانتصار على غريزة الكيد، انتصار لماهية الإنسان.
وكما اتفقت المقدمات السابقة، فلبنان أوّلا هو رصيد حضاري، حيث التّنوع يواجه أحيانا حسابات السياسة، وهي حسابات لا تنتهي، وعارضة على الاجتماع البشري، بالفعل، إنّ الشّر غير موجود، لأنّه عدم، والوجود خير محض، هكذا أدركنا من الحكمة المتعالية. لا مخرج للبنان من محنته سوى الغفران، وثمة شيء أبعد مدى، هو التّفاؤل.
وحتى الآن، شيء من هذا الرصيد هو الذي أبقى على لبنان في خضمّ هذا الاهتزاز الجيو-سياسي، حتى السياسة يُمكن ضبطها بالغفران.
كتاب فؤاد حسون مهمّ من هذه النّاحية. بل إنه درس لكلّ من تعتمل نوازع الثّأر في نفسه، وأنا منهم، لا يمنحك كونك مظلوما مشروعية الظفر بقيمة الغفران في مقام ردّ الظلم، هنا الإحسان ينتصر على هذا الاختزال القانوني نفسه.
القانون يردع ولكنه لا يورق القلوب ولا ينهي الجريمة، كما أن العدل يُنصف، ولكنه لا ينبت السّلام. الاحتراق الذي لا مجال لإخماده سوى بالمحبّة. اكتشفت قبل فترة أنّ التحدّي الأعظم هو قيمة الحب والتسامح والغفران.
وهذه القيم لا وزن لها في مقام النظر والتنظير إلاّ إن كانت مأخوذة على محمل الجدّ والحرص على التنزيل. ما أكثر القول حول هذا المفهوم وما أقلّ حضوره في العيش المشترك. أن تغفر يعني أن تنتصر على النّفس الأمّارة بالسوء، أن تنتصر على الغريزة، على الكيد.
عالمنا مليئ بالأحقاد، بمظاهر الضعف البشري، نوازع الفقر الروحي، الوضاعة وسوء التربية، الأطماع، الأمراض النفسية، القابلية لأن تكون جيرا في العدوان. فشلت ساكنة الإقليم واجتماعه الهشّ في الغفران فكيف باحترام الآخر المختلف؟ لا يكفي التزحلق على لوح التسامح كهواية فوق أمواج لُعبة الخطاب ومكائد الأيديولوجيا، فالتسامح فكر ومُعايشة.
لعل ما يسهّل المهمّة هو الإدراك العميق للضعف البشري. إنّك في عالم ستواجه حتما العدوان، الكيد، الحسد، فالناس عاجزون ما لم يتحرروا، وليس للتحرر من معنى إن لم يكن تحررا يُطهِّر النّفس من كلّ ضغينة، فحينما تحبّ بلا شروط، تينع في حقل اجتماعك زنابق السلام.



