آراءمغاربة العالم
أخر الأخبار

مغاربة العالم: تألق في الملاعب وغياب عن تشكيلة الحكومة

المغرب الذي يثق بأبناء الهجرة لرفع رايته في الملاعب العالمية مدعو إلى منح الثقة نفسها لكفاءاتهم في قيادة القطاعات الحكومية.

فالوطن يحتاج إلى من يسجل الأهداف، وإلى من يصلح المدرسة والمستشفى والإدارة. وبين فرحة الانتصار ومسؤولية التدبير، يبرز سؤال مشروع: أين وزراء المغرب من كفاءاته المنتشرة في العالم؟.

إعلان الحكومة الجديدة، بتشكيلتها التي تضم اثنين وثلاثين عضوا، يعيد هذا السؤال إلى الواجهة. فالمغاربة المقيمون بالخارج يتطلعون إلى رؤية مساراتهم وخبراتهم حاضرة في الاختيار الوزاري.

وحضورهم المنشود يشمل تولي مسؤوليات تنفيذية في الاقتصاد والصناعة والتعليم والصحة والتكنولوجيا، حيث يمكن أن تتحول التجربة الدولية إلى قيمة مضافة تخدم المواطنين.

هل يفتقد مغاربة العالم الكفاءة؟ أم أنهم غير مرغوب فيهم؟ أم تنساهم حسابات التفاوض على الحقائب؟ أسئلة مشروعة تستدعي مساءلة الأحزاب عن مدى انفتاحها على هذه الطاقات، وعن المعايير التي تعتمدها لترشيح الوزراء، والمساحة التي تتيحها للكفاءات الموجودة خارج شبكاتها المعتادة.

فالإشادة بنجاحات مغاربة العالم تقتضي فتح أبواب المسؤولية أمامهم، وإتاحة الفرصة لهم للإسهام في تدبير شؤون وطنهم.

المنتخب الوطني، الذي يحتل المركز السابع عالميا في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم، يقدم تجربة جديرة بالتأمل.

فقد جمع المغرب مواهب الداخل وأبناء الهجرة حول مشروع واحد، واستثمر اختلاف مدارس تكوينهم وتجاربهم الاحترافية. وكان النجاح ثمرة عمل وتخطيط وثقة، ودليلا على أن الكفاءة المغربية تستطيع خدمة وطنها مهما ابتعد مكان نشأتها.

أين حكيمي الحكومة، ومزراوي الصناعة، ودياز الاقتصاد، وبوعدي البحث والابتكار؟ المقصود نظائر هؤلاء في مجالات المعرفة والتدبير: كفاءات تكتشف، وتستقطب، وتمنح فرصة تحمل المسؤولية.

فهل نبحث عنها بالجدية نفسها التي نبحث بها عن لاعب موهوب؟ وهل تبذل الأحزاب جهدا مماثلا لإقناع طبيب أو مهندس أو خبير اقتصادي بخوض تجربة الوزارة؟.

مغاربة العالم حاضرون في الجامعات والمختبرات والمستشفيات والشركات، وبينهم أصحاب خبرة في قيادة فرق العمل وتنفيذ المشاريع وتقييم النتائج. وهذه تجارب يحتاج إليها المغرب، خصوصا حين ترتبط بتحديات محددة.

فإصلاح الإدارة يحتاج إلى معرفة عملية بالتنظيم، وتطوير الصناعة يحتاج إلى خبرة بالإنتاج والابتكار، والنهوض بالصحة يحتاج إلى كفاءة في تدبير المنظومات.

تعيين وزراء من هذه الكفاءات ينبغي أن يخضع لشروط واضحة: النزاهة، والقدرة على القيادة، والمعرفة بالواقع المغربي، والاستعداد لخدمة الصالح العام.

الإقامة بالخارج لا تمنح تفوقا تلقائيا، والإقامة بالداخل لا تمنح أسبقية مطلقة. الميزان العادل هو ما يستطيع المرشح إنجازه، وما يحمله من مشروع، وقدرته على تحمل المحاسبة عن نتائجه.

الأحزاب تتحمل مسؤولية أساسية في توسيع دائرة الاختيار. فاستقطاب الكفاءات يبدأ قبل مفاوضات تشكيل الحكومة، عبر إشراكها في إعداد البرامج ومناقشة البدائل وبناء الثقة.

أما استحضارها في اللقاءات الموسمية، ثم الاكتفاء بالأسماء المألوفة عند توزيع المسؤوليات، فيحول الحديث عن التجديد إلى وعد ضعيف الأثر، ويعمق المسافة بين الخطاب والممارسة.

تولي أحد أبناء الهجرة وزارة الصحة أو التعليم أو الصناعة يكتسب قيمته مما يقدمه للقطاع كله. فلا ينبغي حصر أبناء الخارج في حقيبة خاصة بشؤون الجالية، ولا اختزال مشاركتهم في الدفاع عن مصالح فئة.

فهم مواطنون يستطيعون خدمة مجموع المغاربة، وخبراتهم جديرة بأن تدخل صميم السياسات الوطنية الكبرى.

المطلوب مسار جدي للتعرف على المرشحين المؤهلين، وفحص تجاربهم، ومناقشة تصوراتهم، وإتاحة شروط انتقالهم إلى المسؤولية.

ويشمل ذلك ضمان وضوح الاختصاصات، وتوفير وسائل العمل، وربط التعيين بأهداف قابلة للتقييم. فالاستقطاب يفقد جدواه حين تتحول الكفاءة إلى واجهة، أو تجد نفسها عاجزة عن تنفيذ المشروع الذي استدعيت من أجله. ومن الضروري تقييم القدرة على التكيف والعمل الجماعي، فالتجارب الناجحة تتطور ولا تستنسخ آليا.

المغرب مقبل على استحقاقات تحتاج إلى تنوع الخبرات وشجاعة الاختيار. والانفتاح على كفاءات الهجرة يمكن أن يوسع رصيد الحكومة من المعرفة والعلاقات والتجارب، متى اقترن بفهم حاجات المجتمع واحترام مؤسساته.

لذلك، فإن سؤال وزرائهم يتجاوز الرغبة في ظهور اسم جديد، إنه سؤال عن قدرة السياسة على تعبئة كامل طاقات الوطن.

مغاربة العالم لا ينتظرون مكافأة على غربتهم، وإنما فرصة عادلة لخدمة بلدهم من مواقع القرار. والراية التي جمعت مواهبهم في الملعب جديرة بأن تجمع خبراتهم حول طاولة الحكومة.

فالوطن يربح حين يمنح أبناءه الأكفاء الثقة، ويجعل أبواب المسؤولية مفتوحة أمامهم، حيثما أقاموا.

https://anbaaexpress.ma/4qzvu

منير لكماني

مهندس مدني خبير في الإنشاءات والطاقة كاتب مغربي من ألمانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى