أعرف حقيقة شخصي، أنا جبان منذ عرفت نفسي، منعزل انطوائي، لا أحب التجمعات كيفما كان نوعها، حتى العائلية منها، كانوا يطلقون علي أنني إنسان “معقد”، فكان الجميع يتجنبونني، في المقابل كنت مغرمًا بقراءة الكتب ومتابعة البرامج الحوارية، وعندما كنت أختلي بنفسي أضع كرسيان متقابلان، أجلس مرة فوق الأول، وبعد دقائق أجلس فوق الكرسي الثاني، فأتقمص دور المحاوِر بتاء مجرورة، وتارة أخرى دور المحاوَر بتاء مفتوحة، وأستمر على ذلك الحال لمدة نصف ساعة أو أقل أو أكثر حسب طبيعة الموضوع المختار..
وبعد حوار طويل مع نفسي اتخذت القرار الحاسم، وهو الخروج من عزلتي وتكسير جميع القيود التي وضعتها حولي، فاشتريت حاسوبًا وهاتفًا ذكيًا، ولجت عالمًا جديدًا كنت أسمع به فقط، عالم الشبكة العنكبوتية، بحثت عن مجموعات حوارية فأصبحت نجمًا بها تحت اسم مستعار “نضال”، كنت أصول وأجول ليل نهار في تلك المجموعات، وراودتني فكرة الولوج لعالم السياسة والنقابة والمجتمع المدني.
فبدأت أحضر لقاءاتهم ملتزمًا الصمت، ومتابعًا لما يدور فيها من نقاشات وحوارات ومن نجمهم فيها ساطع، فتعرفت على بعضهم وربطت علاقات معهم، وأبديت رغبتي في الانخراط معهم، وانخرطت، وأصبحت مداخلاتي محط اهتمام الجميع، وأصبحت أشارك في حوارات تلفزية وعبر المذياع، وأصبحت برلمانيًا، وحققت أحلامي التي كنت أتمنى الوصول إليها، وكثر عدد الذين يخطبون ودي من أقاربي ومعارفي، وهم الذين كانوا يتجنبوني وينعتونني بالمعقد.
وبعد سنين ذوات العدد قررت اعتزال كل شيء، واشتريت أرضًا فلاحية جعلت منها ضيعة بها طيور وحيوانات وأشجار ومكتبة، وبدأت في كتابة مذكراتي التي عنونتها “الجبان المناضل الشجاع”، وهي في طور الطبع، تجدونها في معرض الخيال الحالم الذي سيقام في عاصمة الضباب في سنة لم يحددوا وقتها نظرًا للاضطرابات الجوية التي غيرت معالم العالم أجمع: دول أصبحت تحت الأنقاض، ودول غرقت في المياه، ودول نامية تبحث عن حرية وعدالة وكرامة مفقودين.
