تقاريرسياسة
أخر الأخبار

سبتة ومليلية في قلب قراءات إسبانية لمستقبل نزاع الصحراء.. هل تنتقل المواجهة إلى المدينتين؟

أزمة 2021 حاضرة في خلفية المشهد

عاد مستقبل مدينتي سبتة ومليلية (المحتلتين) إلى واجهة النقاش الإعلامي الإسباني، في أعقاب التطورات الأخيرة التي شهدها ملف الصحراء المغربية داخل مجلس الأمن الدولي، بعدما أخفق المجلس في التوصل إلى صيغة توافقية بشأن تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة «المينورسو».

ويبدو أن تعثر المسار الأممي، في ظل المواجهة الدبلوماسية بين واشنطن وموسكو، فتح الباب أمام قراءات إعلامية إسبانية تحاول استشراف انعكاسات التحولات المرتبطة بالنزاع على العلاقات بين الرباط ومدريد، وعلى الملفات التاريخية العالقة بين البلدين، وفي مقدمتها وضع المدينتين اللتين يصفهما المغرب بالمحتلتين.

وفي هذا السياق، نشرت صحيفة «إل إسبانيول» الإسبانية، يوم الأربعاء 4 نونبر الجاري، تقريراً حمل عنواناً لافتاً: «عندما ينتهي المغرب من الصحراء، ستكون سبتة ومليلية التاليتين.. نهاية مهمة الأمم المتحدة تثير قلق سكان سبتة». وسلط التقرير الضوء على مخاوف لدى بعض سكان المدينة من احتمال أن تنعكس التطورات المرتبطة بنزاع الصحراء على مستقبل سبتة ومليلية، مستنداً إلى شهادات مواطنين وقراءة قدمتها خبيرة في العلاقات الدولية، ربطت بين بعض التحركات المغربية السابقة والضغوط التي تتحدث عنها أوساط إسبانية بشأن المدينتين.

ولا يقتصر التقرير على عرض المخاوف المرتبطة بالوضع السياسي للمدينتين، بل يستحضر أيضاً التحولات الاقتصادية التي عرفتها سبتة خلال السنوات الأخيرة، باعتبارها أحد أوجه التوتر بين المغرب وإسبانيا. فقد نقلت الصحيفة عن زوجين من سكان المدينة، يقيمان حالياً في بلدة لوس باريوس بإقليم قادس، أن مسألة المطالب المغربية بشأن سبتة ظلت حاضرة في أحاديث ومخاوف جزء من السكان على مدى سنوات، مشيرين إلى أنهما نشآ في أجواء كان يطبعها التخوف من احتمال أن يتخذ المغرب خطوات مشابهة لما قام به في ملف الصحراء.

وبحسب الشهادات التي أوردتها الصحيفة، فإن هذه المخاوف لم تكن مرتبطة بالجانب السياسي وحده، بل امتدت إلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمدينة. إذ اعتبر الزوجان أن تدبير المعبر الحدودي مع المغرب وما رافقه من قيود وتغييرات انعكس سلباً على الحركة التجارية التي كانت تشكل أحد مصادر النشاط الاقتصادي في سبتة، مؤكدين أن المدينة فقدت جزءاً مهماً من حيويتها السابقة، وأن الأوضاع لم تستعد طبيعتها منذ جائحة كورونا.

وتقدم «إل إسبانيول» هذه الشهادات ضمن قراءة أوسع للعلاقة بين الرباط ومدريد، حيث ترى أن الملفات المرتبطة بالصحراء وسبتة ومليلية تظل من أبرز القضايا التاريخية التي تؤثر في مسار العلاقات الثنائية، وأن أي تحول في أحد هذه الملفات قد ينعكس على طريقة تعاطي البلدين مع القضايا الأخرى.

غير أن التقرير يذهب أبعد من ذلك، حين يربط بين التحولات التي يشهدها النزاع في الصحراء وبين احتمال تصاعد النقاش حول مستقبل المدينتين، مستحضراً في هذا الإطار أحداثاً سابقة شهدت توتراً حاداً بين البلدين.

تعثر مجلس الأمن يعيد المخاوف إلى الواجهة

ويضع التقرير التطورات الأخيرة داخل مجلس الأمن في صلب قراءته للمشهد، خصوصاً ما جرى يوم 30 أكتوبر الماضي، عندما فشل المجلس في اعتماد مشروع القرار الأمريكي المتعلق بتمديد ولاية بعثة «المينورسو»، بعد اعتراض روسيا عليه، قبل أن يسقط بدوره المقترح الروسي البديل بفعل الفيتو الأمريكي. وبذلك وجد المجلس نفسه أمام تعثر مزدوج حال دون التوصل إلى قرار جديد بشأن مستقبل البعثة الأممية قبل انتهاء ولايتها في 31 أكتوبر.

وكان المشروع الأمريكي يتضمن توجهاً يدعو إلى جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للمفاوضات الرامية إلى تسوية النزاع، مع حذف الإشارة إلى الاستفتاء من صيغة القرار، وإدخال تعديلات على طبيعة المهام المنوطة بالبعثة الأممية.

ووفق القراءة التي قدمتها الصحيفة الإسبانية، كان من شأن اعتماد هذا المشروع أن يشكل مكسباً دبلوماسياً للمغرب، بالنظر إلى أنه يعزز المقاربة الأمريكية التي تعتبر الحكم الذاتي أساساً للتفاوض من أجل التوصل إلى حل سياسي للنزاع.

لكن موسكو عارضت المشروع، معتبرة أن الصيغة المقترحة تستبق نتائج المفاوضات وتفرض توجهاً معيناً على مسار التسوية، كما دافع ممثلها لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، عن مقاربة مختلفة، في موقف يتقاطع مع الطرح الذي تدافع عنه الجزائر بشأن النزاع.

وبعد إسقاط المشروع الأمريكي، طرحت روسيا مشروعاً بديلاً يدعو إلى تمديد ولاية «المينورسو» لمدة سنة إضافية، مع الإبقاء على بنيتها الحالية وطبيعة المهام التي تضطلع بها، غير أن واشنطن عارضت بدورها هذا المقترح، ما حال دون اعتماده.

وتكشف هذه المواجهة، بحسب المعطيات التي يستند إليها التقرير، عن تباين واضح في مواقف القوى الدولية بشأن مستقبل البعثة الأممية وطبيعة الدور الذي ينبغي أن تضطلع به في المرحلة المقبلة.

كما تعكس صعوبة التوصل إلى توافق داخل مجلس الأمن حول صيغة جديدة لإدارة الملف، في ظل اختلاف الرؤى بشأن الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه المفاوضات، وحدود صلاحيات البعثة الأممية.

نهاية الولاية تفتح مرحلة جديدة للبعثة الأممية

ومع انتهاء ولاية «المينورسو» في 31 أكتوبر دون صدور قرار جديد بتمديدها، دخلت البعثة، ابتداء من فاتح نونبر، مرحلة التصفية التدريجية، وفق ما أورده التقرير، وهي مرحلة يفترض أن تتولى خلالها مجموعة محدودة من الموظفين الإشراف على الانسحاب المنظم للأفراد والتجهيزات والموارد.

ويضع هذا التطور مستقبل الوجود الأممي في المنطقة أمام وضع غير مسبوق منذ إنشاء البعثة قبل أكثر من 35 عاماً.

وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية بالنظر إلى أن «المينورسو» ظلت، طوال العقود الماضية، جزءاً أساسياً من الإطار الأممي المرتبط بتدبير النزاع، رغم الخلافات المتواصلة بشأن طبيعة مهامها ومدى قدرتها على الإسهام في دفع المسار السياسي نحو التسوية.

ولذلك فإن تعثر التمديد لا يمثل، في نظر المتابعين الذين تستحضرهم الصحيفة، مجرد خلاف تقني حول مدة ولاية بعثة دولية، بل يعكس أيضاً اتساع الهوة بين المواقف الدولية بشأن مستقبل النزاع والآليات المعتمدة للتعامل معه.

ومن هذه الزاوية، تحاول «إل إسبانيول» قراءة انعكاسات هذا الوضع على الحسابات الإسبانية، انطلاقاً من فرضية أن أي تحول كبير في ملف الصحراء قد يعيد طرح أسئلة مرتبطة بموقع سبتة ومليلية في العلاقات بين البلدين.

وهي قراءة تستند إلى استمرار الخلاف التاريخي حول المدينتين، لكنها تظل في جانب منها تعبيراً عن مخاوف وتقديرات إعلامية، لا عن تطور سياسي معلن بشأن انتقال النزاع إلى المدينتين.

أزمة 2021 حاضرة في خلفية المشهد

ولتعزيز هذا الربط، يعود التقرير إلى الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت بين الرباط ومدريد في أبريل 2021، على خلفية استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج في مستشفى بمدينة لوغرونيو، بعدما أصيب بفيروس كورونا.

وقد أثار هذا القرار غضب المغرب، الذي اعتبر أن استقبال غالي تم دون احترام الاعتبارات المرتبطة بالعلاقات الثنائية، لتدخل العلاقات بين البلدين مرحلة من التوتر الحاد.

وبعد أسابيع قليلة من اندلاع الأزمة، شهدت مدينة سبتة دخول أكثر من عشرة آلاف شخص بشكل غير نظامي، في موجة هجرة جماعية استثنائية أعادت ملف الحدود إلى صدارة الاهتمام الإسباني والأوروبي. وتستحضر الصحيفة هذه الواقعة باعتبارها محطة مفصلية في التوتر بين البلدين، كما تورد قراءة الخبيرة في العلاقات الدولية التي اعتبرت أن موجة الدخول الجماعي إلى المدينة في يوليوز الماضي يمكن فهمها، من منظورها، باعتبارها شكلاً من أشكال «المسيرة الخضراء».

ويعكس استحضار هذه المقارنة محاولة لإعادة قراءة أدوات الضغط التي قد تستخدم في سياق الخلافات السياسية بين البلدين، من خلال الربط بين الهجرة والحدود والملفات السيادية.

غير أن هذا التوصيف يظل منسوباً إلى الخبيرة التي نقلت الصحيفة رأيها، ولا يشكل في حد ذاته دليلاً على وجود خطة مغربية تستهدف المدينتين أو على أن التحركات التي شهدتها الحدود كانت جزءاً من استراتيجية مماثلة للمسيرة الخضراء.

الجزائر في خلفية الحسابات الإقليمية

وفي معرض تناولها للخلفيات الإقليمية للنزاع، تبرز الصحيفة الدور الذي تضطلع به الجزائر في دعم جبهة ميلشيا البوليساريو، باعتبارها الحليف الإقليمي الرئيسي للجبهة، فضلاً عن احتضانها مخيمات تندوف ومساندتها للمطالب المرتبطة بتقرير المصير.

كما تضع هذا الدور ضمن سياق التنافس الجيوسياسي في شمال إفريقيا، حيث تتقاطع حسابات القوى الدولية مع مواقف الأطراف الإقليمية بشأن مستقبل المنطقة.

وتشير الصحيفة، في هذا الإطار، إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى تعزيز حضورها السياسي والاستراتيجي في شمال إفريقيا، والحد من نفوذ الجزائر في المنطقة، في سياق أوسع من التنافس على المصالح والتحالفات.

ويعكس هذا الطرح محاولة لربط الموقف الأمريكي من نزاع الصحراء بحسابات استراتيجية تتجاوز حدود الملف نفسه، لتشمل موازين القوى الإقليمية والعلاقات مع المغرب والجزائر.

وبين التطورات التي شهدها مجلس الأمن، واستحضار أزمة 2021، والمخاوف التي نقلتها الصحيفة عن بعض سكان سبتة، يتضح أن النقاش الإسباني حول مستقبل المدينتين لم يعد منفصلاً عن التحولات التي يعرفها ملف الصحراء.

ومع ذلك، فإن الربط بين المسارين يظل، حتى الآن، في حدود التحليلات والتقديرات الإعلامية، ولا يعني أن تطوراً جديداً قد طرأ على وضع المدينتين أو أن انتقال المواجهة إليهما أصبح أمراً محسوماً.

وتكشف هذه القراءة، في نهاية المطاف، عن استمرار حضور ملف سبتة ومليلية في الوعي السياسي والإعلامي الإسباني كلما دخلت العلاقات مع المغرب مرحلة من التحول أو التوتر.

كما تبرز أن قضية الصحراء لا تُقرأ في مدريد باعتبارها نزاعاً إقليمياً معزولاً، بل باعتبارها ملفاً تتداخل فيه الاعتبارات التاريخية والدبلوماسية والأمنية، وتنعكس تطوراته على مجمل العلاقة مع الرباط، بما فيها القضايا التي لا تزال تشكل نقاط خلاف بين البلدين.

https://anbaaexpress.ma/kn223

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى