كثيرون هاجموني ووصفوني بالداعي لتفتيت المفتَّت وتجزيء المجزَّأ، وبالمتناقض الذي يدَّعي حمله شعار العروبة والوحدة، وهو يدعو لتفتيت المفتَّت.
وأنا أدرك أني سأُهاجَم، ولكن ذلك لا يهمني ما دمت مقتنعًا بسبب دعوتي الدائمة لعودة دولة الجنوب، التي دخلت في وحدة لم يكن للشعب الجنوبي خيار فيها مطلقًا، بل جاءت كسابقتها من تجارب الوحدات العربية، التي هي بالعشرات، لا بل مئات المرات، ولكنها في كل مرة تفشل وتتفكك وينهزم مشروع الوحدة.
وذكرت عدة مرات أنه لا وحدة بالقوة، لأن نتيجتها الفشل الذريع، وهذا ما أثبته التاريخ.
وضربت مثلًا بالوحدة الأوروبية التي قامت على أسس تم الاتفاق عليها، وأهم هذه الأسس، أو العمود الفقري لأي وحدة، هو استفتاء الشعب وأخذ رأيه، وإن وافق، يتم اعتماد النتيجة من برلمانه، ومن ثم المصادقة عليها من الحكومة ورئيس الدولة، وبعد ذلك يُعلن دخول هذا البلد أو غيره للاتحاد.
هكذا هي الأمم الحية التي تضع أسسًا قوية لاتحادها، ولسنا نحن العرب، إذ يقوم رئيس من نومه، يحلم بوحدة، ولم يُنتخَب أصلًا، ويعلن الوحدة مع هذه الدولة أو تلك، وسرعان ما تفشل، مثل الوحدة التي تمت بين مصر وسوريا، والعراق، التي سرعان ما فشلت في مهدها.
أما من يدعون إلى معالجة أسباب الفشل وليس نقض الوحدة، فأقول لهم: كيف ستعالجون عدم أخذ رأي الشعب؟
الجنوب العربي، الذي كان اسمه قبل الوحدة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (لاحظوا: ديمقراطية بالاسم فقط وليس بالحقيقة)، اتخذ رئيسها، المرحوم بإذن الله، علي سالم البيض، قرارًا منفردًا بالوحدة مع علي عبدالله صالح.
وعندما التقيت به في بيروت، سألت فخامته: لماذا اتخذت ذلك القرار؟ فقال لي إنه يدعم الوحدة، وكان صادقًا.
حتى فخامة الرئيس علي ناصر محمد، عندما دعاني للعشاء بمنزله في لبنان، سألته السؤال نفسه، فأجاب بالإجابة نفسها، ولا يزال مؤمنًا بها، وقال إنه قاتل طوال حياته من أجل الوحدة، وكلامه صحيح، ولكن الخطأ التاريخي نفسه تكرر مليون مرة.
وشعب الجنوب لم يُؤخذ رأيه، ولم يمضِ وقت طويل حتى فشلت تلك الوحدة في مهدها، وتحولت إلى احتلال بعدما اجتاحها علي عبدالله صالح بدباباته عام 1994، وأطلق شعار «الوحدة أو الموت»، إلى أن تحرر الجنوب عام 2015 على يد أبناء الجنوب.
اليوم، ليس الجنوب وحده من يتعرض للقصف والقتل والاجتياح، كما كان في السابق على يد علي عبدالله صالح، بل اليوم على يد الحوثي، الذي لم يترك أحدًا إلا وأطلق عليه صواريخه، مثلما حدث يوم أمس بقصف قصر المعاشيق، المقر الرسمي للحكومة الشرعية.
والمعلوم أن الجنوب، كمساحة، يوازي ثلثي المساحة الإجمالية في الجنوب، ويمتد من الحدود الغربية لسلطنة عُمان إلى باب المندب.
وبذات الوقت، لم يترك الحوثي له حليفًا غير طهران، ودول الخليج جميعها تتعرض لمؤامرة صهيوأمريكية فارسية؛ وبذلك، لا مناص لدول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، من دعم عودة دولة الجنوب وضمها إلى مجلس التعاون الخليجي.
وبذلك، ستحقق دول الخليج، وعلى رأسها الشقيقة الكبرى، أهم دعم استراتيجي في كل المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية، ناهيكم عن توفير عمق استراتيجي مطل على بحر العرب، يُضاف إلى العمق العُماني الاستراتيجي، الذي كان ولا يزال الشريان الحيوي والرئيسي لدول الخليج، بعيدًا عن مضيق حتمًا سيفقد أهميته الاستراتيجية لو عاد الجنوب لشعبه وتم ضمه إلى دول الخليج.
فهل تستجيب دولنا الخليجية لذلك؟
آمل ذلك..




