أحياناً لا تحتاج السياسة إلى بيان رسمي كي تقول ما تريد، فقد تكفي خريطة تظهر للحظات ثم تختفي، أو عبارة يقولها رئيس دولة في لقاء إعلامي لتعيد فتح ملف بدا أن أطرافاً تحاول إغلاقه بطريقتها الخاصة.
قبل أيام، كانت «أنباء إكسبريس» سباقة إلى التقاط واقعة إعلامية لافتة تمثلت في نشر صحيفة «الخبر» الجزائرية مادة بعنوان: «خطوات ملموسة للجزائر تجاه إعادة تشكيل الفضاء الساحلي»، مرفقة بخريطة ظهر فيها المغرب بامتداده الجنوبي، بما يشمل أقاليمه الصحراوية، قبل أن يختفي المنشور من الجريدة وكذلك من صفحة الصحيفة على «فيسبوك».
لم نقل يومها إن خريطة نشرتها صحيفة جزائرية تعني تغييراً في الموقف الرسمي الجزائري، لأن الصحافة ليست دولة، والخريطة الصحفية ليست قراراً دبلوماسياً.
لكننا قلنا إن الواقعة لافتة، وإن ظهور خريطة بهذا الشكل داخل وسيلة إعلام جزائرية تابعة للنظام ثم حذفها يطرح أسئلة تتجاوز الخطأ التقني أو التحريري البسيط.
اليوم، وبعد أيام قليلة من تلك الواقعة، يخرج الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في لقائه الإعلامي الدوري ليقول عبارة تستحق التوقف عندها طويلاً: «لا يمكن لأحد أن يرغم الشعب الصحراوي على قرار يتركه يزول من الخريطة نهائياً».
فهل كان تبون يحاول الرد بشكل مباشر على ما نشرته «أنباء إكسبريس» بشأن خريطة «الخبر»؟ لا يمكن الجزم بذلك، لكن التزامن يفرض نفسه على القراءة السياسية.
فالـ«خريطة» هنا لم تعد مجرد رسم جغرافي. إنها تحولت إلى جزء من المعركة السياسية والإعلامية حول ملف الصحراء المغربية.
وإذا كانت خريطة «الخبر» قد أظهرت، ولو في سياق مادة صحفية، المغرب بامتداده الجنوبي دون فصل بصري، فإن تبون عاد ليستخدم مفهوم «الخريطة» نفسه، ولكن من زاوية سياسية مختلفة، مؤكداً تمسك الجزائر بمساندة جبهة البوليساريو وبما وصفه بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. وهنا تبرز المفارقة.

أنباء إكسبريس رصدت الخريطة.. وتبون أعاد تعريف المعركة حول الخريطة
لكن الأهم من ذلك هو ما تكشفه هذه العودة إلى خطاب البوليساريو، فالجزائر، التي تؤكد في خطابها الرسمي أنها ليست طرفاً في النزاع، تعود في الوقت نفسه، وعلى لسان رئيس الجمهورية، لتؤكد أنها «سند» للبوليساريو، وأنها تقف إلى جانب ما يقرره الطرف الصحراوي.
وهذا يعني أن ملف الصحراء المغربية لا يزال يحتل موقعاً مركزياً في الحسابات الإقليمية الجزائرية، رغم التحولات التي شهدها الملف خلال السنوات الأخيرة. فالمشهد الدولي لم يعد كما كان.
مواقف دول مؤثرة تحولت باتجاه دعم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وفرنسا أعلنت صراحة أن هذا المقترح يمثل بالنسبة إليها الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي، فيما أقرت الولايات المتحدة منذ 2020 توجيهات خرائطية حكومية تظهر الصحراء ضمن المغرب، بالإضافة إلى العديد من الدول.
كما أن المسار الأممي نفسه شهد تطورات جعلت مقترح الحكم الذاتي حاضراً بقوة في النقاش حول التسوية السياسية.
ولم تعد التحولات مقتصرة على المواقف السياسية، بل امتدت أيضاً إلى التمثيل الخرائطي. فقد شهدت السنوات الأخيرة تغيرات في طريقة عرض خريطة المغرب في عدد من الوثائق والمنصات الدولية، من بينها الولايات المتحدة وفرنسا..، كما ظهرت تمثيلات مماثلة في عدد من السياقات العربية.
وهذه التحولات الخرائطية، وإن كانت لا تعادل تلقائياً اعترافاً قانونياً أو دبلوماسياً، فإنها تظل ذات دلالة سياسية وإعلامية عندما تأتي متزامنة مع تغيرات في مواقف الدول من الملف.
وفي هذا السياق، يبدو أن الجزائر لا تريد ترك الساحة السياسية والدبلوماسية لمقاربة واحدة، ولذلك تعود إلى التشديد على البوليساريو وعلى فكرة تقرير المصير، في محاولة لإعادة تثبيت الرواية الانفصالية التي تبنتها منذ عقود.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: ماذا قال تبون؟ بل: لماذا يعاد إنتاج الخطاب نفسه في وقت تتغير فيه البيئة الدولية المحيطة بالنزاع؟.
وهنا يمكن فهم تصريح تبون باعتباره محاولة لتأكيد أن الجزائر لم تغير موقعها، وأنها لا تعتبر التحولات الدولية والإقليمية سبباً للتراجع عن دعم مليشيا البوليساريو مادياً ومعنوياً، وفق ما تؤكده مواقفها المعلنة.
فمشروع الانفصال الجزائري يواجه منذ سنوات تحولات كبيرة في موازين المواقف الدولية، بينما يواصل المغرب الدفع بمقترح الحكم الذاتي باعتباره الإطار الذي يمكن أن تُبنى عليه التسوية، وأكده قرار مجلس الأمن 2797.
وبين هذا وذاك، تبدو الجزائر أمام معادلة صعبة: فهي لا تريد التخلي عن عصابة البوليساريو، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بالتعامل مع مسار أممي يتطور، ومواقف دولية تتغير، وواقع إقليمي لم يعد يسمح بإدارة الملف بالمنطق نفسه الذي حكمه لعقود.
لذلك، فإن عبارة تبون حول «الخريطة» تستحق أكثر من مجرد نقلها كتصريح، إنها تكشف أن الخريطة أصبحت في حد ذاتها جزءاً من الصراع السياسي.
واللافت أن «أنباء إكسبريس» كانت قد وضعت هذه المسألة على الطاولة قبل أيام، عندما توقفت عند خريطة ظهرت في صحيفة «الخبر» الجزائرية، ثم اختفت. هل كان ما حدث مجرد خطأ تحريري؟
لكن المؤكد أن الخريطة لم تعد مجرد تفصيل بصري، وأن عودة تبون إلى الحديث عن «الخريطة» و«البوليساريو» بعد أيام من واقعة «الخبر» تجعل من الصعب التعامل مع المسألة باعتبارها مجرد صدفة إعلامية عابرة.




