آراءمجتمع
أخر الأخبار

حوار | الدكتور بشير العواني لأنباء إكسبريس: أزمة التعليم في العالم العربي هي أيضًا أزمة تربية وقيم

نحن نعيش أزمة تعليم، لأن معظم برامج التعليم، منذ استقلال عديد الدول العربية، لم يقع تجديدها، وأصبحت المعارف والبرامج والمناهج لا تواكب ذكاء المجتمع وتطوراته في الحياة المعاصرة..

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد قضايا التربية والتعليم شأنًا مدرسيًا أو أكاديميًا محضًا، بل أصبحت في صميم الأسئلة المرتبطة بمستقبل الإنسان والأسرة والمجتمع، خصوصًا مع تنامي تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتغيّر أنماط التواصل بين الأجيال.

من هذا المنطلق، يكتسب الحوار مع الدكتور بشير العواني أهمية خاصة، باعتباره مختصًا في الفلسفة الحديثة والمعاصرة وفلسفة التربية، ومحكّمًا دوليًا في البحوث التربوية والنفسية، وعضوًا في تقييم الجامعات محليًا وإقليميًا ودوليًا.

ويشغل الدكتور العواني كذلك منصب الرئيس المؤسس للمركز العربي للتربية الوالدية، وعضوية النخبة العالمية للتربية الوالدية، إلى جانب عضويته في اتحاد الكتاب التونسيين، ورئاسته للجنة الدولية للتعليم والتكنولوجيا بالمعهد الدولي العربي للسلام والتربية في جنيف.

في هذا الحوار، نتوقف معه عند واقع التربية في العالم العربي، ودور الأسرة والمدرسة في بناء شخصية الطفل، وأزمة القيم، ومستقبل التعليم في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى السؤال الأهم: كيف يمكن أن نبني تربية تستجيب لإنسان المستقبل دون أن تفقد بُعدها الإنساني والقيمي؟.

الدكتور بشير العواني من تونس

أسئلة الحوار

1. من منظور فلسفة التربية، كيف تقرأون واقع التربية والتعليم في العالم العربي؟ وهل نعيش أزمة تعليم أم أزمة تربية وقيم؟

الجواب:

في البداية، أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى أنباء إكسبريس على إتاحة هذه الفرصة، وعلى اهتمامها بالقضايا التربوية والفكرية.

إن فلسفة التربية تدرس الظواهر الإنسانية والاجتماعية والثقافية والحضارية من جهة بنية التفكير، ومن جهة بنية السلوك. أي إن التفكير عند الإنسان ليس مسألة اعتباطية أو ثانوية، بل إن جوهر الإنسان هو التفكير، وعلامة التفكير الناضج، من جهة فلسفة التربية، هي أن تكون لغة المتحدث أو المنتج للخطاب لغة إيجابية رصينة ومشبعة بالتفاؤل والحياة.

أما من جهة بنية السلوك، فأفعال الإنسان وردود أفعاله وتفاعلاته وانفعالاته تخبر، من جهة فلسفة التربية، عن مفهوم الحرية عند صاحب السلوك. وتُقاس قيمة الشعوب والثقافات والحضارات بمساحة الحرية المنتجة التي تشجع الناس على الإبداع وتحصّنهم من الشعور بالعبث.

وواقع التربية والتعليم في العالم العربي، وفي العالم بأسره، بحاجة إلى تربية سليمة وعلوم نافعة يستفيد منها الإنسان، وتجنّبه ويلات العداوة والمظالم والحروب.

والتربية في العالم العربي في حاجة إلى مراجعات عميقة في الأسرة، التي تعاني في كثير من البلدان العربية العنف والتفكك الأسري، الذي يترتب عنه الانفصال والطلاق بنسب عالية، مما يخلق حالات اجتماعية..

فالأسرة العربية، في كثير من الأحيان، تحتاج إلى من يسندها لمجابهة الفقر والجهل والتهميش. وفلسفة التربية تكشف عن الفراغات التربوية التي تعاني منها الأسرة العربية في عديد البلدان، فيشقى فيها الكبار والصغار.

أما التعليم في البلدان العربية، فهو في حاجة أيضًا إلى من يسنده ليستفيد الإنسان من علوم عصره وتتطور وسائله. ويشكو التعليم في البلاد العربية من تهميش اللغات في التعليم الابتدائي، ومن مشكلة الانضباط في التعليم الثانوي، ومن ضعف المصداقية في التقييم في التعليم العالي.

ففي كثير من البلاد العربية، تُنجز مراكز البحوث الأطروحات، ويتسلّمها الطالب جاهزة مقابل مبلغ مادي، كما أن الدروس لا تشهد تجديدًا في كثير من الجامعات.

أما التعليم الثانوي، ففي كثير من المعاهد الثانوية والمدارس الإعدادية، يشكو نقصًا في الانضباط، أي عدم احترام المواعيد والوقت، مما ينتج لدى الأجيال الجديدة الكسل والخمول والتردد.

ويترتب على تهميش اللغات في التعليم الابتدائي خلق جيل ستكون له إعاقات كبيرة في المستقبل في التفكير وفي ممارسة الحرية.

نحن نعيش أزمة تعليم، لأن معظم برامج التعليم، منذ استقلال عديد الدول العربية، لم يقع تجديدها، وأصبحت المعارف والبرامج والمناهج لا تواكب ذكاء المجتمع وتطوراته في الحياة المعاصرة..

ونحن أيضًا نعيش أزمة تربية، بمعنى أن التربية هي تهذيب المهارات والارتقاء بالقدرات. فالحياة المعاصرة مشحونة بأفعال سلبية، كالعنف اللفظي والمادي..

وما ينطبق على كثير من الدول العربية يطابق ما يحدث في عدة دول أوروبية، مثل فرنسا؛ فالآباء والأمهات عاجزون عن تربية أبنائهم وبناتهم، فيدفعون بهم إلى رياض الأطفال عند الصغر، وعندما يكبر الصغار، يودعون بدورهم آباءهم وأمهاتهم في دور العجزة. وفي بعض البلدان العربية، يمتهن الكبار والصغار التشرد والتسول.

نحن نعيش أيضًا أزمة في القيم، فقد أُتيحت للعديد من المجتمعات العربية الحرية، ولكن تلك الشعوب لم تُحسن ممارسة الحرية في التفكير والتعبير والممارسة.

وهناك فشل في العيش بكرامة وعدالة داخل البلاد العربية وخارجها، نتيجة أخطاء تربوية وغياب التوعية اللازمة بأهمية القيم التي يجب أن تُدرج في أي عملية تربوية ناجحة.

يجب أن نواكب الآخرين في علومهم المتطورة، ونشارك في بناء صرح الإنسانية، ونحافظ على سلامة مجتمعاتنا وبلداننا من العنف والجريمة، بالقضاء على الفقر والجهل والمظالم.

وقد بيّنت أزمة كورونا أن عديد الشعوب لا تعمل ولا تتعلم ولا تربي، فالمنجزات قليلة في الصحة والتعليم والتربية.

2. باعتباركم من المهتمين بالتربية الوالدية، لماذا أصبحت العلاقة بين الآباء والأبناء أكثر تعقيدًا؟ وما الذي يحتاجه الوالدان اليوم؟

الجواب:

حاجتنا اليوم إلى التربية الوالدية تتمثل في تلطيف العلاقة بين الوالدين والأبناء. فجِيل الآباء والأمهات يطالب بالقيم ويحافظ عليها، بينما يعيش الجيل الجديد في العالم الافتراضي أكثر مما يعيش مع الوالدين.

وللتخلص من العنف داخل الأسرة وخارجها، يجب تدريب الناس على تخصيص مساحات للحوار داخل الأسرة، يشارك فيها جميع أفراد العائلة.

3. إلى أي حد تتحمل الأسرة مسؤولية ظواهر كالعنف المدرسي، وضعف التواصل، وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي؟

الجواب:

يجب اعتبار الأسرة محور العملية التربوية، فهي البيئة الأولى التي يتشبع فيها الطفل بالقيم، فينشأ على الانفتاح والتسامح والثقة بالنفس، ويكون مفيدًا لمجتمعه وأهله عند بلوغه سن النضج.

كما أن التربية الأسرية السليمة تقوم على الحوار والقدوة الحسنة والإنصات للأبناء، بعيدًا عن العنف والتسلط، بما يعزز ثقتهم بأنفسهم ويساعدهم على بناء شخصية متوازنة قادرة على مواجهة تحديات الحياة.

4. مع التسارع التكنولوجي، هل ما تزال المدرسة قادرة على أداء دورها التقليدي، أم أن وظيفة المدرسة والمعلم تحتاج إلى إعادة تعريف؟

الجواب:

في ظل التطورات المذهلة في مجال البيولوجيا والمعلوماتية والتقنيات الذكية، يجب أن تواكب المدرسة المعاصرة اليوم التطورات في مجال التكنولوجيا الذكية.

ولكن لا يمكن التخلي عن عقل الإنسان المبدع بحجة استبداله بعقل الآلة الذكية.

إن العقل البشري مبدع ومبتكر، بينما يعمل الذكاء الاصطناعي على التنظيم والربط بين مكونات متعددة.

5. بحكم رئاستكم للجنة الدولية للتعليم والتكنولوجيا، كيف تنظرون إلى الذكاء الاصطناعي في التعليم؟ هل هو فرصة للتطوير أم تحدٍّ لقدرات الطالب؟

الجواب:

إن رئاستي للجنة الدولية للتعليم والتكنولوجيا بالمعهد الدولي العربي للسلام والتربية بجنيف، سويسرا، كشفت لي أن وجهة الإنسانية في المستقبل هي الاعتماد، في الكثير من مهام المستقبل، على الذكاء الاصطناعي.

والالتقاء بأهل العلم والعقول في كل دول العالم جعلنا نكتشف المسافة الحقيقية التي علينا قطعها، عبر التربية والتعليم واكتساب المعارف والتقنيات، للالتحاق بركب الأمم المتقدمة في كل المجالات.

6. بحكم خبرتكم في تقييم الجامعات، كيف تقيّمون واقع التعليم العالي العربي؟ وما أبرز الإصلاحات التي تحتاجها جامعاتنا؟

الجواب:

تحتاج جامعاتنا اليوم إلى أجيال علمية جديدة لتواكب متطلبات البحث العلمي الصارم وتقنياته، ويتحسن ترتيب الجامعات العربية في التصنيفات العالمية من خلال التركيز على جودة الدروس ورقيّ النصوص.

كما يتطلب تطوير الجامعات العربية دعم البحث العلمي، وتشجيع الابتكار، وربط التكوين الجامعي بحاجات المجتمع وسوق العمل، بما يعزز جودة المخرجات الأكاديمية ويسهم في تحقيق التنمية والتقدم.

7. في ظل الحروب والأزمات والاستقطاب، هل تستطيع التربية نشر ثقافة السلام والتسامح ومواجهة التطرف والعنف؟

الجواب:

إن التربية السليمة على السلم والسلام والتسامح والعيش المشترك هي الأفق الأرقى الذي على الإنسانية جمعاء أن تعمل على نشره، وأن تربي الأجيال الجديدة عليه، لتتخلص البشرية من ويلات الحروب وكوابيسها المدمرة..

إن تكوين إنسان سوي ومسالم أقل كلفة مما تنفقه العائلات والمجتمعات على من أجرموا في حق أنفسهم وعائلاتهم ومجتمعاتهم.

8. وأخيرًا، ما أهم ثلاثة أمور ينبغي التركيز عليها لإعداد إنسان المستقبل في الأسرة والمدرسة والجامعة؟

الجواب:

الأسرة تربي، والمدرسة تعلّم، والجامعة تقيّم، والمجتمع يستفيد، والحضارة تتقدم.

المسؤولية الأساسية في التربية تعود إلى الأسرة، باعتبارها البيئة الأولى بيولوجيًا وتربويًا، التي يتلقى فيها الطفل اللبنات الأولى للتربية.

وتطوّر المدرسة تربية الطفل، وتكسبه المعارف والعلوم، وتصقل بدنه بالتربية البدنية، وتهذّب طباعه، وتعلّمه الانضباط واحترام الآخرين واحترام ذاته، كما يكتسب فيها أولى مقومات المواطنة من خلال احترام قوانين المدرسة والمؤسسات.

أما الجامعة، فتوضح ملامح الخريج، وتكسبه تكوينًا علميًا يمكنه من الاندماج المهني والاجتماعي، ليكون مواطنًا صالحًا لمجتمعه وللإنسانية جمعاء.

ويستفيد المجتمع من التكوين التربوي والعلمي والمدني الذي يتلقاه الإنسان من الطفولة إلى سن النضج. وكل مجتمع يستفيد من ثماره الطيبة إن أحسن غراستها وحمايتها وصقلها.

https://anbaaexpress.ma/j3ocw

تعليق واحد

  1. حوار جميل وبالفعل نعتقد بأن مناهج التعليم تحتاج الى اعادة تقييم في التحديات العاصفة في التكنلوجيا.
    مع مراعاة التركيز على القيم الأخلاقية وغرسها مثلما نغرس المعرفة.
    وكذلك التركيز على مناهج تراعي تطوير وإستخراج جانب الإبداع والتفكير ابتداءا من المستويات الأولى للدراسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى