تقاريردولي
أخر الأخبار

أوروبا أمام أزمة أجيال.. لماذا يتراجع إيمان الشباب بمستقبل القارة؟

فإذا استمرت الفجوة بين الوعود والواقع في الاتساع، فقد تجد الشعبوية مزيدا من الفرص لاستثمار الإحباط، وقد يتحول الخلاف حول توزيع الثروة والفرص إلى أزمة أعمق في الانتماء والثقة

لم تعد الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا ومناطق أوروبية أخرى مجرد تعبيرات عابرة عن الغضب من قرارات حكومية أو أوضاع اقتصادية صعبة، بل باتت تطرح أسئلة أعمق بشأن طبيعة التحولات التي تعرفها المجتمعات الأوروبية، ومدى قدرة نموذجها الاجتماعي على الاستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة. فخلف مشاهد المواجهات وإحراق الممتلكات، وصولا إلى استهداف مبانٍ عامة، تتراكم مخاوف مرتبطة بالعمل والسكن والقدرة على بناء مستقبل مستقر، في وقت يشعر فيه قطاع من الشباب بأن الوعود التي نشأ عليها لم تعد مضمونة.

وفي قراءة لهذه الظاهرة، تسلط الصحيفة الألمانية الأسبوعية «دي تسايت» الضوء على اتساع الهوة بين الأجيال، معتبرة أن تراجع ثقة الشباب بمستقبلهم، وتزايد إحساسهم بأنهم قد يعيشون في ظروف أقل استقرارا ورفاهية من تلك التي عرفها آباؤهم، يشكلان عنصرين أساسيين في فهم حالة الاستياء المتنامية.

ويضع التقرير، الذي يحمل عنوان «صراع الأجيال.. حين ينفد الصبر»، هذه المخاوف في سياق أوسع يشمل ارتفاع تكاليف المعيشة والإيجارات، والقلق من البطالة والفقر، والتحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، فضلا عن تداعيات التغير المناخي والإنفاق المتزايد على الدفاع. ووفقا لهذه القراءة، فإن المسألة لا تتعلق فقط بصعوبة الظروف الراهنة، بل أيضا بتراجع الثقة في قدرة المجتمعات الأوروبية على توفير فرص أفضل للأجيال المقبلة.

من القلق الاقتصادي إلى أزمة الثقة

يتمثل أحد أبرز التحولات التي يناقشها التقرير في اتساع المسافة بين ما ينتظره الشباب من حياتهم وما يستطيع الواقع توفيره لهم. فالأجيال التي كبرت في مجتمعات اعتادت تقديم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي باعتباره نتيجة طبيعية للتعليم والعمل، تجد نفسها أمام معادلة مختلفة: الحصول على وظيفة مستقرة لم يعد يضمن بالضرورة الاستقلال المادي، كما أن امتلاك مسكن أو التخطيط لتكوين أسرة أصبح أكثر صعوبة بالنسبة إلى فئات واسعة.

وتكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة عندما تقارن الأجيال الشابة أوضاعها بأوضاع آبائها. فالمشكلة، وفق هذا المنظور، لا تنحصر في أن الحياة أصبحت مكلفة، بل في أن الطريق إلى الاستقرار يبدو أكثر تعقيدا، حتى بالنسبة إلى من يمتلكون مؤهلات تعليمية جيدة ويستثمرون سنوات طويلة في التكوين.

ويؤدي هذا التباعد بين الجهد المبذول والنتائج المتوقعة إلى إضعاف الثقة في قواعد التقدم الاجتماعي. فعندما يعتقد الشباب أن العمل الجاد لم يعد كافيا لتحسين أوضاعهم، أو أن الفرص المتاحة لا تتناسب مع مؤهلاتهم وطموحاتهم، يصبح الإحباط قابلا للتحول إلى موقف أوسع من المؤسسات والسياسات التي يفترض أن تضمن تكافؤ الفرص.

وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى تفاوت الثروة باعتباره عاملا يزيد الإحساس بالتهميش. فوجود فوارق اقتصادية كبيرة لا يتحول بالضرورة إلى أزمة اجتماعية في كل الظروف، لكنه يصبح أكثر حساسية عندما يشعر جزء من المجتمع بأن الامتيازات تتراكم لدى فئات معينة، في حين تتحمل الأجيال الأصغر تكاليف المعيشة المرتفعة ومخاطر العمل غير المستقر وصعوبة السكن.

ومن هنا تبرز المسألة بين الأجيال بوصفها تحديا يتجاوز الخلافات المعتادة حول أنماط الحياة أو القيم. إنها تتعلق بتوزيع الفرص والأعباء، وبمدى شعور كل جيل بأنه يحصل على نصيبه من الثروة والحماية الاجتماعية، وأن مستقبله لا يُضحّى به للحفاظ على مكتسبات الآخرين.

شباب أوروبا ليسوا كتلة واحدة

لا يقدم التقرير صورة موحدة عن الشباب الأوروبي، بل يشير إلى أن مواقفهم وتطلعاتهم تختلف من دولة إلى أخرى. وتكشف هذه الفوارق أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية لا تنتج بالضرورة الاستجابات السياسية نفسها، وأن تفسير الاحتجاجات يتطلب مراعاة الظروف الوطنية والتجارب التي تعيشها كل فئة.

فبحسب المقارنة التي يعرضها التقرير، يبدو الشباب في بولندا وبعض الدول الإسكندنافية أكثر تفاؤلا نسبيا، وأقل ميلا إلى التعبير عن استيائهم عبر الاحتجاجات في الشوارع. وفي المقابل، تظهر في دول أخرى، مثل ألمانيا وفرنسا، مؤشرات على اتجاه قطاعات من الشباب إلى خيارات سياسية أكثر حدة، من بينها دعم اليمين المتطرف عبر صناديق الاقتراع.

أما إسبانيا، فيضعها التقرير ضمن الحالات التي تختلف فيها أنماط التعبير السياسي عن تلك المسجلة في ألمانيا وفرنسا، مشيرا إلى أن الاحتجاج الانتخابي عبر التصويت لليمين المتطرف لا يتخذ الشكل نفسه في جميع البلدان.

ولا تعني هذه المقارنات أن الشباب في بعض الدول راضون بالضرورة عن أوضاعهم، أو أن غياب الاحتجاجات يعكس غياب المشكلات. فقد تختلف وسائل التعبير عن الاستياء باختلاف الثقة بالمؤسسات، وطبيعة المنافسة السياسية، والظروف الاقتصادية، ومدى اقتناع المواطنين بأن المشاركة السياسية قادرة على إحداث تغيير ملموس.

لكن التباين يسلط الضوء على نقطة أساسية: الأزمة الأوروبية ليست أزمة واحدة متطابقة في كل مكان. فالعوامل المشتركة، مثل ارتفاع تكاليف السكن والمخاوف المهنية، تتفاعل مع خصوصيات كل مجتمع، وتنتج مواقف متفاوتة من الحكومات والأحزاب والنظام السياسي.

ومع ذلك، فإن استمرار هذه الفوارق لا يلغي وجود سؤال مشترك يتعلق بمستقبل العقد الاجتماعي الأوروبي: كيف يمكن الحفاظ على التضامن بين الأجيال إذا أصبح الشباب أقل اقتناعا بأن النظام الاقتصادي والاجتماعي يعمل لمصلحتهم أيضا؟

الذكاء الاصطناعي.. من وعد بالإنتاجية إلى مصدر للقلق

يحتل الذكاء الاصطناعي مكانة بارزة في التقرير، ليس فقط بسبب قدرته على تغيير طبيعة الوظائف، بل لأنه يثير الشكوك بشأن أحد الوعود التي رافقت التحولات الديمغرافية في أوروبا.

فمع تقدم المجتمعات في العمر وتراجع عدد السكان في سن العمل، سادت توقعات بأن تقل المنافسة على الوظائف، وأن يحظى الشباب بفرص أوسع في سوق العمل، وأن تصبح خبراتهم أكثر قيمة بسبب الحاجة إلى الأيدي العاملة.

غير أن التطور السريع للذكاء الاصطناعي يطرح احتمالا مختلفا. فبدلا من أن يؤدي نقص العمال إلى زيادة فرص التوظيف تلقائيا، قد تتمكن المؤسسات من استخدام تقنيات جديدة لأداء بعض المهام التي كان يتولاها موظفون، خصوصا في الوظائف التي تعتمد على المعالجة الرقمية للمعلومات أو تنفيذ أعمال متكررة.

ويورد التقرير أرقاما من دراسة حديثة أشرفت عليها مؤسسة كونراد أديناور الألمانية بشأن أوضاع الشباب دون الثلاثين. ووفقا للمعطيات التي ينقلها، يخشى نحو 90 في المئة من الشباب في ألمانيا فقدان وظائفهم بسبب الذكاء الاصطناعي، فيما يقلق نحو 70 في المئة من احتمال الوقوع في الفقر، ويعبر أكثر من نصفهم عن مخاوف مرتبطة بارتفاع إيجارات السكن.

وتعكس هذه الأرقام، كما يقدمها التقرير، مستوى القلق من المستقبل المهني والاقتصادي، لكنها لا تعني أن هذه النسب ستفقد وظائفها فعليا أو أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي حتما إلى ارتفاع البطالة بالمقدار نفسه. فالنتائج ستتوقف أيضا على كيفية إدماج التكنولوجيا في الاقتصاد، وقدرة أنظمة التعليم والتكوين على مواكبة التحولات، والسياسات التي ستحدد توزيع مكاسب الإنتاجية الجديدة.

ومع ذلك، فإن مجرد انتشار الخوف من فقدان الوظائف يكشف تحديا سياسيا واجتماعيا. فإذا أصبحت التكنولوجيا، في نظر الشباب، تهديدا لاستقلالهم المادي ومكانتهم المهنية، فقد يتحول التقدم التقني من وعد بتحسين مستوى المعيشة إلى مصدر إضافي لانعدام اليقين.

ولا تتعلق المسألة بالدخل وحده؛ فالعمل يمنح الإنسان أيضا شعورا بالاستقلال والاندماج الاجتماعي والقدرة على التخطيط للمستقبل. ولذلك، فإن القلق من استبدال بعض الوظائف بالأنظمة الذكية قد يمتد إلى التساؤل بشأن القيمة التي سيحظى بها الإنسان في سوق عمل تتغير قواعده بسرعة.

وتكمن المعضلة الأوروبية في كيفية الجمع بين الاستفادة من الابتكار وحماية الأفراد من تكاليف التحول. فالتكنولوجيا لا تفرض نتيجة اجتماعية واحدة، لكن توزيع فوائدها وأعبائها سيحدد إلى حد بعيد ما إذا كانت ستقلص الفوارق أم ستعمقها.

السكن والفقر.. اختبار للعدالة بين الأجيال

إلى جانب التحولات التكنولوجية، يمثل السكن أحد أبرز مصادر الضغط التي يناقشها التقرير. فارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة لا يؤثران فقط في القدرة على الادخار، بل ينعكسان على الاستقلال الشخصي وتكوين الأسر والانتقال إلى مرحلة جديدة من الحياة.

وعندما يضطر الشباب إلى تخصيص نسبة متزايدة من دخولهم لتأمين السكن والاحتياجات الأساسية، تتقلص قدرتهم على بناء احتياطي مالي أو الاستثمار في تعليم إضافي أو التخطيط لمشروعات طويلة الأجل. ويصبح الاستقرار الذي كان يفترض أن يأتي بعد سنوات الدراسة والعمل هدفا مؤجلا، وقد يبدو بعيد المنال بالنسبة إلى أصحاب الدخل المحدود.

وتتضاعف حساسية هذه القضية عندما تقترن بالتفاوت في الثروة. فالفارق بين من يمتلك أصولا عقارية أو مدخرات متراكمة ومن يعتمد كليا على أجره الشهري لا يعكس اختلافا في مستوى الدخل فحسب، بل اختلافا في القدرة على مواجهة الأزمات واغتنام الفرص.

ومن هذه الزاوية، تصبح الفجوة بين الأجيال أكثر تعقيدا من مجرد مقارنة بين كبار السن والشباب. فليس جميع كبار السن ميسورين، كما لا ينتمي الشباب جميعهم إلى الفئات المتضررة بالدرجة نفسها. لكن توزيع الثروة بين من يمتلكون الأصول ومن لا يزالون يحاولون دخول سوق السكن والعمل يطرح أسئلة جدية حول عدالة النظام الاقتصادي وقدرته على منع انتقال الحرمان من جيل إلى آخر.

ويحذر التقرير من أن تآكل التضامن بين الأجيال قد يقوض أحد الأسس التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة. فالعقد الاجتماعي لا يقتصر على الحقوق والواجبات القانونية، بل يشمل أيضا اقتناع المواطنين بأنهم يساهمون في نظام يوفر الحماية والفرص، وأن الأعباء موزعة بصورة يمكن قبولها اجتماعيا.

إعادة التسلح ومفارقة المجتمع المسن

ويمتد القلق، بحسب التقرير، إلى التحولات الأمنية وخطط إعادة التسلح في أوروبا. فزيادة الإنفاق الدفاعي تتطلب موارد مالية كبيرة، في وقت تواجه فيه دول أوروبية ضغوطا مرتبطة بالشيخوخة السكانية وتمويل الخدمات العامة والتقاعد والرعاية الصحية.

وتثير هذه المعادلة تساؤلات بشأن الأولويات المالية، خصوصا عندما يشعر الشباب بأنهم مطالبون بتحمل تكاليف خيارات استراتيجية بعيدة المدى، بينما يواجهون صعوبات في تأمين السكن والعمل والاستقرار الاقتصادي.

ويضيف التقرير بعدا آخر إلى هذه المفارقة، يتمثل في أن الأجيال الشابة قد تتحمل، في حال اندلاع حرب، مسؤولية الدفاع عن مجتمعات يتزايد فيها متوسط العمر. وفي المقابل، يشير إلى محدودية استعداد الشباب الأوروبيين للدفاع عن بلدانهم، وفق القراءة التي يعرضها.

لكن هذه المسألة لا يمكن اختزالها في رفض الشباب تحمل المسؤولية أو في تعارض مصالحهم مع مصالح الأجيال الأكبر. فهي تطرح أسئلة حول طبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها، ومدى استعداد المجتمع لتقاسم التكاليف المرتبطة بالأمن، وما إذا كانت السياسات العامة قادرة على إقناع الشباب بأن واجباتهم تقابلها حقوق وفرص واضحة.

فإذا طُلب من جيل ما أن يتحمل أعباء اقتصادية أو أمنية كبيرة، بينما يشعر بأن احتياجاته الأساسية لا تحظى بالاهتمام الكافي، فقد يتراجع استعداده للانخراط في مشروع جماعي طويل الأمد. أما إذا رأى أن المؤسسات تتعامل مع مخاوفه بجدية، وأن توزيع الأعباء يجري بصورة عادلة، فقد تتعزز الثقة والتماسك الاجتماعي.

وهنا يتقاطع الملف الدفاعي مع أزمة الثقة الأوسع: فالتضامن الوطني لا ينشأ من الدعوات وحدها، بل يحتاج إلى إحساس متبادل بالمسؤولية والإنصاف.

الشعبوية تستثمر الشعور بالتهميش

في الجزء الأخير من قراءته، يستحضر التقرير أفكار الخبير السياسي البلغاري إيفان كراستيف، الواردة في كتابه «غروب أوروبا»، الذي تناول التحولات الديمغرافية ومستقبل القارة. ويستخدم التقرير هذه الأفكار لشرح جانب من العلاقة بين التفاوت الاجتماعي وصعود الشعبوية واليمين المتطرف.

فبحسب التصور الذي ينقله، تميل النخب المؤمنة بالجدارة والتنافس إلى النظر إلى المجتمع كما لو كان مدرسة، يتنافس فيها الأفراد على الفرص والمكافآت، ويحصل الأكثر تفوقا على نصيب أكبر منها. وفي المقابل، يقدم الشعبويون المجتمع باعتباره عائلة، يفترض أن يتضامن أفرادها ويتقاسموا المسؤولية عن بعضهم بعضا.

ويكشف هذا التباين عن اختلاف في طريقة تقديم العدالة الاجتماعية. ففي النموذج الأول، تتركز الشرعية على الكفاءة والإنجاز والمنافسة؛ أما في النموذج الثاني، فتستند إلى الانتماء الجماعي والوعد بالحماية والتضامن.

وتزداد جاذبية الخطاب الشعبوي عندما يشعر بعض المواطنين بأن المنافسة لم تعد عادلة، أو أن المؤسسات لا تنصت إلى مخاوفهم، أو أن الوعود الاقتصادية لا تتحقق رغم التضحيات التي يقدمونها. وفي مثل هذه الظروف، يمكن للخطاب الذي يعد باستعادة السيطرة وحماية الجماعة أن يجد صدى لدى فئات تبحث عن تفسير واضح لأوضاعها وعن جهة تحملها مسؤولية التدهور.

لكن هذا لا يعني أن جميع الشباب المتضررين يتجهون إلى اليمين المتطرف، أو أن التفاوت الاقتصادي وحده يفسر خياراتهم السياسية. فالتصويت والاحتجاج يتأثران بعوامل متعددة، منها الهوية والثقافة والهجرة والثقة بالأحزاب والمؤسسات، فضلا عن طبيعة الخطاب السياسي المتاح.

ومع ذلك، فإن تجاهل جذور الاستياء الاجتماعي قد يترك المجال أمام القوى الشعبوية لتقديم نفسها باعتبارها البديل الوحيد للمؤسسات التقليدية. ولا تكمن الاستجابة المستدامة في الاكتفاء بالتحذير من هذه القوى، بل في معالجة المشكلات التي تمنح خطابها فرصة للانتشار.

يقود التقرير إلى سؤال يتجاوز تفسير الاحتجاجات الراهنة: هل ما زالت المجتمعات الأوروبية قادرة على ضمان انتقال عادل للفرص بين الأجيال، أم أن التحولات الاقتصادية والديمغرافية والتكنولوجية بدأت تقوض الأسس التي قام عليها نموذجها الاجتماعي؟

ويقترح التقرير إعادة التفكير في العقد الاجتماعي، بما يشمل مناقشة سبل منح الشباب نصيبا أساسيا من الثروة وتعزيز التضامن بين كبار السن والأجيال الأصغر. ولا يعني ذلك بالضرورة تبني إجراء واحد أو إعادة توزيع الموارد بطريقة محددة، بقدر ما يشير إلى الحاجة إلى نقاش سياسي حول كيفية تقاسم مكاسب النمو وتكاليف التحولات الكبرى.

ويبدأ هذا النقاش من ملفات ملموسة: توفير سكن يمكن تحمل تكاليفه، وتحسين فرص دخول سوق العمل، وتطوير التعليم والتكوين لمواكبة الذكاء الاصطناعي، وحماية الفئات الأكثر تعرضا لمخاطر التحول الاقتصادي. كما يتطلب النظر في أثر السياسات المالية والدفاعية على الخدمات العامة والفرص المتاحة للشباب.

والأهم أن تجديد العقد الاجتماعي يحتاج إلى ما هو أبعد من الإجراءات الاقتصادية. فالثقة تتراجع عندما يشعر المواطنون بأن القرارات تُتخذ بعيدا عنهم، أو أن المؤسسات تطلب منهم التكيف مع التحولات دون أن تمنحهم فرصة حقيقية للمشاركة في تحديد اتجاهها. ومن ثم، فإن الإنصات إلى الأجيال الشابة وإشراكها في النقاش العام ليسا مجرد خيارين تواصليين، بل جزء من معالجة الأزمة.

ولا ينبغي في المقابل تحويل الفجوة بين الأجيال إلى مواجهة بين الشباب وكبار السن. فالتحديات الديمغرافية والاقتصادية لا تصيب جميع أفراد كل جيل بالطريقة نفسها، كما أن المصالح المشتركة بين الأجيال تظل واسعة، من ضمان استدامة الخدمات العامة إلى حماية الحقوق الاجتماعية والأمن والاستقرار.

إن تصوير المشكلة باعتبارها صراعا حتميا بين فئتين قد يزيد الانقسام بدلا من معالجته. أما التعامل معها بوصفها اختبارا لعدالة المؤسسات وقدرتها على توزيع الفرص والأعباء، فيفتح المجال أمام حلول تستند إلى التضامن والمصلحة المشتركة.

«غروب أوروبا».. تحذير أم مسار محتوم؟

يستعيد التقرير عنوان كتاب كراستيف ليخلص إلى أن صورة «غروب أوروبا» تبدو أكثر التصاقا بالواقع، وفق قراءته، في ظل المخاوف التي تطال الأجداد والآباء والأبناء. غير أن هذا الاستنتاج ينبغي فهمه باعتباره تحذيرا من مسار محتمل، لا دليلا على أن تراجع القارة أو تفكك مجتمعاتها أصبح أمرا حتميا.

فأوروبا تواجه بالفعل مجموعة من الضغوط المتداخلة: شيخوخة السكان، وتكاليف المعيشة، والتحولات في سوق العمل، والتنافس الدولي، ومتطلبات الأمن، وتراجع الثقة لدى قطاعات من الشباب. لكن كيفية التعامل مع هذه الضغوط ستظل عاملا حاسما في تحديد نتائجها الاجتماعية والسياسية.

وتكشف الاحتجاجات، في هذا السياق، عن فجوة بين المؤسسات وتوقعات بعض المواطنين، لكنها لا تقدم وحدها صورة كاملة عن المجتمعات الأوروبية أو عن مواقف جميع شبابها. كما أن العنف وتخريب الممتلكات لا يمثلان بالضرورة جميع أشكال الاستياء، ولا يغنيان عن البحث في الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تقف خلفه.

والاختبار الحقيقي أمام أوروبا لا يتمثل في قدرتها على احتواء موجة احتجاجية فحسب، بل في قدرتها على استعادة الثقة بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الحاضر، وأن التقدم التكنولوجي والنمو الاقتصادي والسياسات العامة ستوفر فرصا أوسع بدلا من تعميق الشعور بالتهميش.

فإذا استمرت الفجوة بين الوعود والواقع في الاتساع، فقد تجد الشعبوية مزيدا من الفرص لاستثمار الإحباط، وقد يتحول الخلاف حول توزيع الثروة والفرص إلى أزمة أعمق في الانتماء والثقة. أما إذا نجحت المؤسسات في إعادة بناء جسور التضامن بين الأجيال، فإن التحولات الراهنة قد تصبح مدخلا لإصلاح النموذج الاجتماعي بدلا من أن تكون بداية أفوله.

في نهاية المطاف، لا يتوقف مستقبل أوروبا على عدد الشباب أو كبار السن وحده، بل على طبيعة العلاقة التي تربط بينهم، وعلى قدرة المجتمعات على ضمان أن يكون لكل جيل مكان في الحاضر وحصة معقولة من المستقبل.

https://anbaaexpress.ma/7p1jl

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى