البرد في القطب الجنوبي يصل الى 60 تحت الصفر، فإذا أضيف إليها الريح القطبية، استحال المناخ الى جهنم باردة بحق. وعندما قال لي الناس في كندا أن البرد يحرق الوجه لم أصدق حتى رأيت الناس في مانيتوبا يمشون إلى الخلف اتقاء الريح الحارقة، كما وصف القرآن ريح فيها صر.
وشدة البرد هذه حمت القطب الجنوبي من العبث، فقد توقفت عمليات التنقيب الروسية ـ لحسن الحظ ـ عن متابعة بحثها، لكشف بحيرة (وستوك WOSTOK)، وقولي لحسن الحظ لأنها بحيرة معزولة منذ ملايين السنين بعيدة عن عبث الانسان وتلويث البيئة.
وكان الروس يعاملونها وكأنها عملية حفر بئر بترولي. وكان قد تم الكشف عنها عام 1969 م.
وبعد انتهاء الحرب الباردة بدأ تعاون الدول على اكتشاف القارة السادسة الجديدة، حيث أظهرت المعلومات أن القارة الجديدة ليست مدرعة جليدية بسماكة كيلومترات كما هو الحال في القطب الشمالي، بل تحت الجليد والثلج أرض حقيقية، تحوي خامات نافعة للجنس البشري، خلافا للقطب الشمالي حيث جليد على السطح ولاشيء غير الجليد.
وعندما اكتشف الروس البحيرة قاموا بدراستها للاستفادة منها. ونحن نعلم اليوم أنها بعمق بحيرة (بيكال)، أعمق بحيرات العالم قاطبة، بعمق أربعة كيلومترات وبمساحة تزيد عن بحيرة أونتاريو في كندا.
وأهم ما في الكشف أن هذه البحيرة تشكل حوضاً مغلقاً أمام الانسان وتلويثه للبيئة، فهي وسط معقم، تبلغ فيه درجة الحرارة تحت الجلد الجليدي السميك بأقل من الصفر، وفي عمقها كل الحياة محفوظة منذ 15 مليون سنة كما كانت فهي كنز حياتي ثمين.
وهذا يثير شهية العلماء لمعرفة شروط الحياة، في هذا المكان الطاهر الذي لم يعبث به الانسان حتى اليوم . وعمد الروس الى وضع آلات الثقب، كما يفعل حفارو البترول، عندما ينصبون المنجنيقات، وهي طرق قديمة فات وقتها، وهناك تقنيات جديدة لا يعرفها الروس، منها تلك التي طورها الفريق العلمي الغربي لاكتشاف قمر المشتري يوربا؛ الذي يشكل سطحه مدرعة جليدية سميكة تحتها بحر لجي من أوقيانوس مترامي الأطراف .
وحيث الماء كانت الحياة كما في القرآن (وجعلنا من الماء كل شيء حي). وقد صمم الأمريكيون غواصة سوف تحمل على ظهر نظام مثل (الباثفايندر) الذي نزل على سطح المريخ، فالنظام الأخير من باراشوتات منوعة حمت سيارة (السوجرنير)، التي كانت في أحشاء الباثفايندر، ورست بأمان على ظهر المريخ .
وطورت وكالة (ناسا) للفضاء الأمريكية ما يشبه ذلك لاختراق فضاء القمر (أوربا)، ثم اختراق السمك الجليدي، ثم قذف غواصة تحته، متصلة بالريموت كونترول، مع جهاز مراقبة خاصة بها خارج يوربا، ثم الاتصال بالأرض، بحيث تبث صورا ملونة بالأبعاد الثلاثة، كما حصل مع عربة السوجرنير التي كانت تعس على ظهر المريخ.
وهذه الغواصة سوف تسبح في عمق لجة أوقيانوس القمر أوربا، وهذا النظام سوف يستخدم الآن في سبر بحيرة القطب الجنوبي، بحيث تعتمد نظام الثقب المغذى بطاقة نووية لا تعرف النفاد، أو درجة الحرارة المنخفضة، بحيث تذيب الجليد على نحو متواصل، حتى تخترق كامل سماكة المدرعة الجليدية، وحتى لا تنسد يوضع في مكانها مادة ضد التجمد، مثل رادياتورات السيارات، وفي اللحظة الخيرة من الاختراق، يتم الدخول، ثم إغلاق الفوهة خلفها، بحيث يقطع أي أثر للتلوث.
* هذه المغامرة العلمية الجديدة سوف تكشف النقاب عن عالم جديد يضيف الى ثروتنا المعرفية حول الحياة وتنشؤها وكل يوم في شأن.




