حقق حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف فوزاً تاريخياً في انتخابات برلمان ولاية سكسونيا أنهالت شرقي ألمانيا، بعدما تصدر النتائج بفارق كبير عن منافسيه، في تطور يعكس تصاعد نفوذ الحزب ويضع الأحزاب التقليدية أمام اختبار سياسي جديد.
وحصل «البديل» على 43.8% من الأصوات، بما منحه 39 مقعداً من أصل 83 في برلمان الولاية، مقابل 17.2% للاتحاد الديمقراطي المسيحي، الحزب الذي يقوده المستشار الألماني فريدريش ميرتس.
ورغم تصدره بفارق واسع، لم يتمكن «البديل» من الحصول على الأغلبية المطلقة، ما يعني أن تشكيل الحكومة المقبلة سيظل رهيناً بمفاوضات مع الأحزاب الأخرى.
ضربة قوية للمحافظين
شكلت النتيجة انتكاسة كبيرة للاتحاد الديمقراطي المسيحي، الذي كان قد حصل على 37.1% في انتخابات الولاية عام 2021، قبل أن يتراجع إلى 17.2% هذه المرة.
وتأتي هذه الخسارة في وقت تواجه فيه حكومة ميرتس ضغوطاً سياسية واقتصادية متزايدة، وسط انتقادات لأدائها وتراجع مستوى الرضا الشعبي عنها.
وأظهر استطلاع لهيئة الإذاعة والتلفزيون الألمانية أن 87% من الناخبين في الولاية غير راضين عن أداء الحكومة الاتحادية، فيما اعتبر مارسيل فراتشر، رئيس المعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية، أن نتيجة الانتخابات تمثل، بالدرجة الأولى، تصويتاً بحجب الثقة عن الحكومة الاتحادية.
مشاركة انتخابية قياسية
شهدت الانتخابات إقبالاً لافتاً، إذ بلغت نسبة المشاركة نحو 78%، وهي من أعلى النسب المسجلة في الولاية منذ إعادة توحيد ألمانيا عام 1990.
ويعكس هذا الإقبال حجم الاهتمام الذي حظي به الاستحقاق، في ظل احتدام المنافسة بين الأحزاب التقليدية والقوى الصاعدة، وعلى رأسها «البديل من أجل ألمانيا».
وبالإضافة إلى الحزبين المتصدرين، تجاوز كل من الحزب الاشتراكي الديمقراطي والخضر واليسار عتبة التمثيل البرلماني، كما تمكن تحالف سارا فاغنكنشت من دخول البرلمان، بينما أخفق الحزب الديمقراطي الحر في تجاوز عتبة 5%.
«صنعنا التاريخ»
احتفى أولريش زيغموند، المرشح الرئيسي لحزب «البديل» في سكسونيا أنهالت، بالنتيجة، واصفاً إياها بأنها «تاريخية».
وقال إن الناخبين وجهوا رسالة واضحة بأنهم يريدون تغييراً سياسياً، معتبراً أن النتيجة تمثل خطوة مهمة في مسار الحزب نحو تعزيز حضوره على المستوى الاتحادي.
وكان زيغموند قد جعل من الانتخابات في سكسونيا أنهالت محطة أساسية في استراتيجية الحزب، مقدماً الفوز في الولاية باعتباره خطوة نحو المنافسة على السلطة في ألمانيا على المستوى الوطني خلال الانتخابات الاتحادية المقبلة.
معضلة تشكيل الحكومة
ورغم الفوز الكبير، يواجه «البديل» مشكلة أساسية تتمثل في عدم امتلاكه الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة منفردة.
وتتمسك الأحزاب الألمانية الرئيسية حتى الآن بما يعرف بـ«جدار الحماية»، أي رفض التحالف أو التعاون الحكومي مع حزب «البديل من أجل ألمانيا».
لكن دخول تحالف سارا فاغنكنشت إلى برلمان الولاية يضيف عنصراً جديداً إلى الحسابات السياسية، خصوصاً في ظل وجود نقاط تقاطع بين الطرفين بشأن عدد من القضايا، من بينها الهجرة والحرب في أوكرانيا والعلاقات مع روسيا.
ومن المنتظر أن تشهد الأيام المقبلة مفاوضات معقدة لتحديد شكل الحكومة المقبلة، في وقت يبقى فيه «البديل» القوة الأكبر داخل البرلمان.
صعود يتجاوز شرق ألمانيا
لا تقتصر أهمية النتيجة على ولاية سكسونيا أنهالت، التي يبلغ عدد سكانها أكثر قليلاً من مليوني نسمة، إذ تأتي في سياق صعود متواصل للحزب منذ تأسيسه عام 2013.
وتظهر استطلاعات الرأي الأخيرة ارتفاع شعبية «البديل» على المستوى الوطني، مع حصوله على نحو 28% في أحد الاستطلاعات، مقابل نحو 20% للاتحاد الديمقراطي المسيحي.
كما تمكن الحزب خلال العام الجاري من تسجيل نتائج قوية في ولايات تقع غرب ألمانيا، وهو ما يعزز المؤشرات على أن نفوذه لم يعد محصوراً في الولايات الشرقية التي كانت جزءاً من ألمانيا الشرقية سابقاً.
ويرتبط صعود الحزب بعدة ملفات حاضرة بقوة في النقاش السياسي الألماني، من بينها الهجرة، والأوضاع الاقتصادية، والسياسة تجاه روسيا وأوكرانيا، إلى جانب تراجع الثقة في الأحزاب التقليدية.
صدى دولي
امتدت أصداء النتيجة إلى خارج ألمانيا، حيث نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نتيجة الانتخابات على منصته «تروث سوشيال»، بينما هنأ رجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك الحزب على فوزه.
كما صدرت تهانٍ من شخصيات تنتمي إلى اليمين المتشدد في عدد من الدول الأوروبية، في حين أثارت النتيجة اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية الأوروبية باعتبارها مؤشراً جديداً على تنامي نفوذ اليمين المتطرف في القارة.
وتكتسب النتيجة أهمية إضافية بالنظر إلى موقع ألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي وثقلها السياسي والاقتصادي، إذ إن استمرار صعود «البديل» سيجعل ملف التعامل معه واحداً من أكثر الملفات حساسية في السياسة الألمانية خلال السنوات المقبلة.
وهكذا، لا تبدو انتخابات سكسونيا أنهالت مجرد استحقاق إقليمي، بل محطة جديدة في مسار سياسي ألماني يشهد تغيراً واضحاً في موازين القوى، مع صعود «البديل من أجل ألمانيا» وتراجع الأحزاب التقليدية.
فيما يبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع سياسة «جدار الحماية» مواصلة عزل الحزب عن السلطة، أم أن قوته الانتخابية المتزايدة ستفرض واقعاً سياسياً جديداً؟




