الشأن الإسبانيتقاريرعاجل
أخر الأخبار

تحقيق: رجال أعمال إسبان بين المصالح في المغرب وخطاب التصعيد حول سبتة ضد المملكة

تُستثمر قضية سبتة المحتلة في خطاب عاطفي، أمني، و عدائي تجاه المغرب؛ ومن جهة أخرى، تتوسع الشركات نفسها في الأعمال البحرية واللوجستية والتجارية مع المملكة..

تُظهر قضية التعبئة الإعلامية والسياسية وحتى الرياضية الأخيرة حول سبتة مفارقة لافتة في الخطاب الإسباني تجاه المغرب: فبينما يرفع بعض رجال الأعمال والفاعلين الاقتصاديين الإسبان رايات “الدفاع عن سبتة” ويدعمون حملات ذات رمزية سياسية قوية، تحافظ مجموعاتهم في الوقت نفسه على مصالح واسعة ومتشعبة داخل السوق المغربية.

فلورنتينو بيريث: مشاريع كبرى في سوق واعد

يُعد فلورنتينو بيريث، رئيس نادي ريال مدريد ورئيس مجموعة ACS للبناء والخدمات، أحد أبرز الأمثلة على تداخل الاقتصاد والرياضة والسياسة في العلاقة الإسبانية بالمغرب.

فالمجموعة التي يرأسها تتابع منذ سنوات فرصاً استثمارية في المملكة، بما فيها مشاريع صناعية وبنى تحتية كبيرة.

وفي عام 2019، ارتبط اسم ACS بمشروع إنشاء مصنعين لإنتاج حمض الكبريتيك في المركب الصناعي للجرف الأصفر، بكلفة قُدرت بنحو 255 مليون يورو، وبطاقة إنتاجية موجهة أساساً إلى صناعة الأسمدة الفوسفاطية.

ويعكس ذلك اهتمام المجموعة بالسوق الصناعية المغربية وبموقع المغرب المتصاعد في سلاسل القيمة المرتبطة بالفوسفاط والأسمدة.

كما أفادت تقارير خلال 2025 بأن ACS كانت تدرس تقديم عرض للمشاركة في إنجاز مشروع الملعب الكبير الحسن الثاني ببنسليمان، أحد أهم المشاريع الرياضية والبنيوية المرتبطة باستعدادات المغرب لتنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال.

وقدرت مصادر إعلامية قيمة المشروع الإجمالية بأكثر من 470 مليون يورو، مع طاقة استيعابية تقارب 115 ألف متفرج.

غير أن الحديث في تلك المرحلة كان يتعلق بدراسة احتمال الترشح وتقييم الجوانب القانونية والمالية والمخاطر، وليس بإسناد الصفقة نهائياً إلى الشركة.

وهنا تبرز المفارقة: منافسة الملاعب الإسبانية والمغربية على احتضان نهائي مونديال 2030 لم تمنع شركة يرأسها رئيس ريال مدريد من النظر إلى المشروع المغربي باعتباره فرصة اقتصادية محتملة.

فالمنطق التجاري، في نهاية المطاف، يتجاوز غالباً خطابات التنافس الرمزي أو الوطني.

بولودا وسبتة: دعم سياسي ومصالح بحرية

برز حسب المنابر الإعلامية الإسبانية اسم رجل الأعمال الفالنسي فيثنتي بولودا، في سياق حملة “Todos somos caballas” أو “كلنا سبتيون”، وهي مبادرة دعم لسبتة وصلت إلى ملاعب الدرجة الأولى في إسبانيا.

وقد ربطت تقارير صحافية إسبانية المبادرة بجمعية رجال الأعمال في فالنسيا، التي يرأسها بولودا، وبنشاطه الاقتصادي والبحري.

لكن مجموعة، Boluda Corporación Marítima، ليست بعيدة عن المغرب، فهي تنشط في الخدمات البحرية والقطر والموانئ، ولها حضور في الضفتين، بما في ذلك ميناء طنجة المتوسط.

ووفقاً لتقارير منشورة، استحوذت شركة، مرسى المغرب في ديسمبر 2025 على 45 في المائة من شركة Boluda Maritime Terminals التابعة للمجموعة، في صفقة قُدرت بنحو 80 مليون يورو.

إن هذا المعطى لا يعني بالضرورة أن بولودا أو أي فاعل اقتصادي لا يملك حق التعبير عن موقفه بشأن مدينة سبتة من المنظور الإسباني، لكنه يسلط الضوء على ازدواجية الخطاب والنفاق لدى بعض الأوساط الاقتصادية والسياسية في إسبانيا.

فمن جهة، تُستثمر قضية سبتة المحتلة في خطاب عاطفي، أمني، و عدائي تجاه المغرب، ومن جهة أخرى، تتوسع الشركات نفسها في الأعمال البحرية واللوجستية والتجارية مع المملكة.

جانب من المصالح الاقتصادية الإسبانية في المغرب

سبتة المحتلة بين الرمز السياسي وحسابات الاقتصاد

لا ينبغي التعامل مع سبتة السليبة باعتبارها مجرد ملف محلي أو حدودي. فالمدينة تحتل موقعاً مركزياً في الواقع الاستراتيجي السياسي الإسباني، وغالباً ما تُستخدم في الجدل الداخلي لإثارة قضايا السيادة والهوية والهجرة والأمن.

لذلك تتحول أي أزمة مرتبطة بالهجرة غير النظامية أو العلاقات المغربية الإسبانية إلى مادة للتعبئة الإعلامية والسياسية.

غير أن هذه التعبئة تطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا يُقدَّم المغرب في بعض المنابر باعتباره مصدر تهديد وحتى كعدو، بينما تعتمد قطاعات إسبانية عديدة على السوق المغربية، وعلى حركة التجارة عبر مضيق جبل طارق، وعلى المشاريع اللوجستية والصناعية والسياحية والزراعية المشتركة؟.

المشكلة ليست في وجود استثمارات إسبانية بالمغرب، فالتعاون الاقتصادي بين البلدين طبيعي ومفيد للطرفين.

الإشكال هو في الخطاب الذي يحاول أحياناً الجمع بين الاستفادة من دينامية الاقتصاد المغربي، وبين تغذية صورة سلبية عنه في النقاش العام الإسباني، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالهجرة أو بسبتة ومليلية المحتلتين.

الاقتصاد الزراعي: ترابط أكبر من الخطاب

تتجلى هذه العلاقة كذلك في القطاع الزراعي والغذائي. فالسوق الإسبانية تستورد أو تستفيد من منتجات مغربية متنوعة، بما فيها الفواكه والخضر والمنتجات الزراعية الموسمية، سواء عبر اتفاقات تجارية مباشرة أو عبر شبكات توريد أوروبية ومتوسطية.

ويجعل هذا الترابط من الصعب فصل الخطاب السياسي المتشدد عن واقع المصالح التجارية اليومية.

وتُتداول في هذا السياق معلومات صحفية إسبانية إلى رجال أعمال كبار في قطاع التوزيع الغذائي الإسباني، ومنهم خوان رويغ، مؤسس ومالك مجموعة Mercadona.

منطق المصالح يتقدم على الشعارات

الواقع أن جزءاً مهماً من النخبة الاقتصادية الإسبانية يدرك أهمية المغرب: سوق قريبة، بوابة نحو إفريقيا، منصة صناعية ولوجستية متنامية، وشريك محوري في ملفات الطاقة والنقل والصيد البحري والزراعة والسياحة والبنية التحتية.

كما أن المغرب يعمل على توسيع شبكة شراكاته الدولية، بما يشمل الولايات المتحدة ودولاً أوروبية وإفريقية وخليجية، مع المحافظة على مركزية قضاياه الوطنية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية.

وهذه الدينامية تجعل المملكة أقل قابلية للضغط عبر الحملات الظرفية أو الخطابات الإعلامية الواهية التي تراهن على التوتر.

لا يمكن للخطاب الشعبوي أن يلغي حقيقة الجغرافيا أو الاقتصاد: إسبانيا والمغرب شريكان متجاوران، ومصالحهما متداخلة على نحو عميق.

وكلما ارتفع منسوب التوتر السياسي حول سبتة أو الهجرة، بقيت الموانئ والشركات وسلاسل الإمداد والاستثمارات شاهدة على حقيقة أكثر براغماتية: رجال الأعمال الذين يهاجمون المغرب في المنابر أو يساندون حملات التصعيد، لا يترددون في طرق أبواب السوق المغربية حين تكون الصفقات مجزية.

https://anbaaexpress.ma/3gfwc

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى