أفريقياتقاريرسياسة
أخر الأخبار

الانتخابات المغربية 2026.. عزوف انتخابي يفتح سؤال الثقة السياسية ويضع الشباب في الواجهة

في الحالة المغربية، يطرح ضعف المشاركة سؤالا حول ما إذا كان جزء من المواطنين لم يعد يرى في التصويت وسيلة كافية للتأثير في القرار السياسي، أو أنه لم يجد في العرض الحزبي ما يعكس انتظاراته

الرباط – لم تكن نتائج الانتخابات التشريعية المغربية التي جرت في 23 شتنبر 2026 مرتبطة فقط بخريطة المقاعد التي أفرزتها صناديق الاقتراع، بل كشفت أيضا عن ظاهرة أكثر عمقا تتمثل في اتساع المسافة بين جزء كبير من الناخبين والحياة السياسية.

فبعد إغلاق مكاتب التصويت، استقرت نسبة المشاركة عند 38.08 في المائة من مجموع الناخبين المسجلين، البالغ عددهم نحو 15.8 مليون شخص. وبمعنى آخر، ظل ما يقارب ثلثي المسجلين خارج مراكز الاقتراع، في مؤشر يعيد طرح سؤال المشاركة السياسية بالمغرب، ولا سيما في صفوف الأجيال الشابة.

وتكتسب هذه النسبة دلالتها من مقارنتها بالمحطات الانتخابية السابقة. فقد بلغت المشاركة 50.18 في المائة سنة 2021، و43 في المائة سنة 2016، بينما وصلت إلى 45.4 في المائة سنة 2011 و51.61 في المائة سنة 2002.

أما سنة 2007، فقد سجلت الانتخابات أدنى مستوى تاريخي منذ 1997، بنحو 37 في المائة.

وبذلك، لا تبدو انتخابات 2026 مجرد استحقاق شهد مشاركة محدودة، وإنما محطة أعادت إلى الواجهة سؤالا أوسع: ماذا يعني أن يبقى ملايين الناخبين المسجلين خارج العملية الانتخابية؟

العزوف.. صمت أم احتجاج؟

يصعب وضع جميع الممتنعين عن التصويت في خانة سياسية واحدة. فهناك من لا يهتم بالانتخابات، ومن لا يجد في البرامج المعروضة ما يدفعه إلى المشاركة، ومن فقد الثقة في الأحزاب، فيما قد ينظر آخرون إلى عدم التصويت باعتباره وسيلة للتعبير عن رفضهم لطريقة إدارة الشأن العام.

وهنا يتحول العزوف من مجرد رقم إحصائي إلى ظاهرة سياسية واجتماعية تستحق القراءة.

فخلال السنوات الأخيرة، تراكمت مجموعة من الملفات التي أثرت في النقاش العمومي، من القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى قضايا اجتماعية وحقوقية، مرورا بتداعيات زلزال الحوز وطريقة تدبير بعض آثاره، وصولا إلى الاحتجاجات التي قادها شباب من جيل “زد”.

هذه الملفات لا تعني بالضرورة أن جميع المقاطعين للانتخابات يتحركون بدافع واحد، لكنها تكشف عن بيئة اجتماعية أصبحت فيها العلاقة بين المواطن والسياسة أكثر تعقيدا من مجرد الاختيار بين الأحزاب يوم الاقتراع.

حين يصبح الغياب موقفا

الانتخابات عادة هي لحظة التعبير السياسي الأكثر وضوحا، لكن الامتناع عنها يمكن أن يحمل بدوره دلالة، خصوصا عندما يتحول إلى ظاهرة واسعة.

وفي الحالة المغربية، يطرح ضعف المشاركة سؤالا حول ما إذا كان جزء من المواطنين لم يعد يرى في التصويت وسيلة كافية للتأثير في القرار السياسي، أو أنه لم يجد في العرض الحزبي ما يعكس انتظاراته.

وهذا المعطى يكتسب أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالشباب، الذين أظهروا خلال السنوات الأخيرة قدرة على التعبئة خارج القنوات السياسية التقليدية، خصوصا عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأشكال الاحتجاج الجديدة.

فجيل نشأ في بيئة رقمية مختلفة لا يتعامل بالضرورة مع الحزب السياسي بالطريقة نفسها التي تعاملت بها أجيال سابقة مع التنظيمات السياسية. كما أن الاحتجاج أصبح أكثر سرعة وأقل ارتباطا بالهياكل التقليدية.

ومن هنا يمكن فهم المفارقة التي كشفتها انتخابات 2026: حضور قوي للنقاش السياسي في الفضاء الرقمي والاجتماعي، مقابل مشاركة محدودة في صناديق الاقتراع.

الشباب خارج المعادلة الانتخابية

تزداد أهمية هذه المفارقة بالنظر إلى تركيبة اللوائح الانتخابية.

فالفئة العمرية بين 18 و24 سنة لا تمثل سوى نحو 4 في المائة من مجموع المسجلين، بينما تصل نسبة الفئة بين 25 و34 سنة إلى حوالي 15 في المائة.

في المقابل، يمثل الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق نحو 29 في المائة من المسجلين، فيما تشكل الفئتان بين 35 و44 سنة وبين 45 و54 سنة نحو 21 في المائة لكل منهما.

ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن الشباب هم الأكثر عزوفا، لأن المعطيات التفصيلية المتعلقة بمن صوتوا فعليا حسب العمر والجنس لم تكن متاحة بعد، لكنها تكشف على الأقل محدودية تمثيل الأجيال الشابة داخل قاعدة الناخبين المسجلين.

والأهم أن جزءا من الشباب الذي يشارك في النقاش العام لا يجد نفسه بالضرورة داخل المؤسسات الحزبية التقليدية، وهو ما يفتح سؤالا حول قدرة الأحزاب على تجديد خطابها وأدواتها واستقطاب الأجيال الجديدة.

الجنوب.. استثناء لافت

في مقابل التراجع العام في المشاركة، سجلت الأقاليم الجنوبية نسبا مرتفعة بشكل واضح.

فقد بلغت المشاركة 77 في المائة في العيون-الساقية الحمراء، و61 في المائة في الداخلة-وادي الذهب، بينما وصلت إلى 53.48 في المائة في كلميم-واد نون.

وتعكس هذه الأرقام اختلافا واضحا في السلوك الانتخابي بين مناطق المملكة، حيث تبدو التعبئة في الأقاليم الجنوبية أكثر ارتباطا بالقضايا الوطنية والمؤسساتية، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية.

لكن هذا الاستثناء الجهوي يطرح بدوره مفارقة: ففي الوقت الذي تسجل فيه بعض المناطق معدلات مشاركة مرتفعة، تنخفض المشاركة بشكل كبير في مناطق أخرى، بما يجعل الرقم الوطني المتوسط عاجزا عن نقل الصورة الكاملة للسلوك الانتخابي المغربي.

أزمة ثقة أم أزمة أحزاب؟

السؤال الأكثر حساسية لا يتعلق فقط بسبب امتناع المواطنين عن التصويت، بل بما إذا كانت الأحزاب السياسية ما تزال قادرة على لعب دور الوسيط بين المجتمع والدولة.

فالمغرب يتوفر على مشهد حزبي متنوع، وتتنافس قوى سياسية متعددة على استقطاب الناخبين، ومع ذلك بقيت غالبية المسجلين خارج العملية الانتخابية.

وهذا يضع الأحزاب أمام معادلة صعبة: كيف يمكن إقناع المواطن بأن صوته قادر على إحداث فرق، في وقت لا يرى فيه جزء من الناخبين أن البرامج الانتخابية تنعكس بالضرورة على حياتهم اليومية؟

المشكلة هنا قد لا تكون مرتبطة فقط بالحملة الانتخابية أو بطريقة تقديم البرامج، وإنما بصورة السياسة نفسها لدى المواطن.

فعندما تتسع الفجوة بين الخطاب السياسي وانتظارات المجتمع، يصبح الإقناع بالمشاركة أكثر صعوبة، خصوصا لدى الأجيال التي تبحث عن نتائج ملموسة وسريعة.

من 2011 إلى 2026.. مسار يستحق التوقف

تكشف مقارنة الأرقام بين المحطات الانتخابية عن مسار متذبذب، لكنه يطرح سؤالا واضحا حول قدرة الانتخابات على الحفاظ على جاذبيتها.

فالمشاركة التي تجاوزت 50 في المائة في بعض المحطات أصبحت اليوم دون عتبة 40 في المائة، فيما لم يعد ارتفاع عدد المسجلين كافيا لضمان مشاركة واسعة.

ولهذا، فإن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على تسهيل إجراءات التسجيل أو الدعوة إلى التصويت. فالمسألة تبدو أعمق، وترتبط بدرجة اقتناع المواطن بأن مشاركته السياسية لها أثر حقيقي.

الرسالة التي حملتها صناديق الاقتراع

قدمت انتخابات 2026 رسالتين في الوقت نفسه: رسالة من الذين ذهبوا إلى صناديق الاقتراع واختاروا ممثليهم، ورسالة أخرى من ملايين المواطنين الذين قرروا البقاء خارج العملية.

الأولى ستظهر في تركيبة البرلمان والحكومة المقبلة، أما الثانية فتحتاج إلى قراءة أعمق، لأنها لا تقدم جوابا واحدا عن دوافع أصحابها.

لكن استمرار العزوف، خصوصا عندما يتقاطع مع ابتعاد الشباب عن المؤسسات الحزبية، يجعل من المشاركة الانتخابية قضية تتجاوز موعد الانتخابات نفسه.

فالرهان المقبل لن يكون فقط على الفوز بالأصوات، وإنما على إعادة بناء علاقة أكثر ثقة بين المواطن والسياسة، وإقناع الأجيال الجديدة بأن المؤسسات المنتخبة ليست فضاء بعيدا عن حياتهم اليومية.

وفي النهاية، قد تكون أهم نتيجة في انتخابات 2026 ليست فقط تلك التي حملتها صناديق الاقتراع، بل أيضا ذلك الصمت الانتخابي الواسع الذي سبق إعلان النتائج.

ففي الديمقراطيات، التصويت رسالة، لكن الامتناع عن التصويت قد يكون رسالة أيضا.

https://anbaaexpress.ma/8aoho

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى