آراءثقافة
أخر الأخبار

في بوغوتا.. حيث لا تكفي العين وحدها لرؤية الإنسان

ثم ننسى أن حكمة الاختلاف نفسها معجزة ربانية، وهي أحد أجمل أوجه الحياة. تذكروا بعض آي الذكر الحكيم في هذا السياق، أفي أنفسنا، أفلا نبصر؟!

كولومبيا، يا لها من فتاة عفراء سمحاء، مجدول عوارضها، تمشى الهوينا كما يمشي الوجي الوحل. العاصمة تنادي أهلها، ليندرجوا في حناياها، راجلين ومحملين بأثقال الحياة، ففي شوارعها الفارهة، لا يحتاج المرء منّا لكثير من الوقت، كي يكتشف أن المدينة لا تعرض عليك وجوها نيّرة فحسب، بل تضع أمام ناظريك حكايات تشابه مائة ليلة وليلة. يكفي أن يتوقف المرء منّا بتؤدة، يجول بناظريه قليلا أمام الملأ، ومن ثمّة ليرجع النظر كرتين ليرى هل من فطور؟!.

أو ربما أن تلتف إلى هامة رجل أو امرأة طال بهما المقام على هامش الأرصفة، إلى إنسان يقف على هامش الأرصفة، أو إلى طفلة تعرض بمودة وخُلُق بضاعتها من الحلوى، أو إلى شيخ هرم، أكل الدهر من جسده وشرب، واختار السانحة أن يعيش لحظته كما يحلو له، حتى تشعر حينئذ أن وراء كل وجه عالم كامل لا تبصره العين ولا تراه من الوهلة الأولى، عالم مليئ بالعجائب والغرائب وحكايات قوارع الطرق، فكم نحن في سباق مع الزمن وأغلب الظن أرواحنا، بوصلة الأفئدة كمهر عنيدة تركض على عجل دون احتراس وكأنها على موعد مع القدر.

كنت أتمشى الهوينا، أجرجر أذيالي صوب عالم أجهل كنهه، نعم يا سادتي أنا في بوغوتا كعابر سبيل، بيد أنني اكتشفت أن بعض العابرين عبور الكرام لا يمرون من أمامك فقط، بل يتركون لمسة بريشتهم في صمام ذاكرتك.

وهذا بالتمام والكمال ما جرى معي كرتين

أمارا.. امرأة خلف لوحة

في أحد الأيام، كنت أتجول في المركز التاريخي لعاصمة كولومبيا بوغوتا، حين لفت انتباهي لوحات معروضة على رصيف صغير. توقفت أمامها بدافع الفضول، وحاولت أن أفهم ما الذي أراد صاحبها في رسالته الفنية أن يتحدث.

في البداية ظننت أن صاحب اللوحات رجل، فناديت: «يا سيدي.».

جاءني التصحيح من امرأة كانت إلى جواره وقبل أن يرتد إلى طرفي: «هي سيدة، اسمها أمارا».

تبسمت جاهدا أن أخفي فضولي ودهشتي. لم يكن ثانيتئذ الخطأ مهم بقدر ما كان الدرس الذي حمله معه: كم من مرة تسبق أعيننا معرفتنا بالآخر؟

قلت لنفسي، صبرا، من ثمة جلست مع أمارا قليلا. تحدثت إليّ عن لوحاتها بنبرة وئيدة مخضبة بروح التفاؤل، كلمتني عنها وعن حبها لمصر القديمة، وعن رسالة الديانة البوذية، وعن سماحة المسيح، عيسى ابن مريم، وعن الروح والحب والسلام.

لم تكن تتحدث عن الفن بوصفه شئ يُعلّق على جدار، بل في كينونته كَلسان كوكبي مبين، كلغة قادرة في كل لمحة ونفس أن تجمع البشر حين تخفق الألسنة الأخرى.

وأنا في غمرتي تلك أستمع وكلي أذن صاغية، أحسست في دخيلتي أنني لم أعد أمام امرأة تسترزق بعرض لوحاتها على هامش أرصفة هذه المدينة الملهمة، بوغوتا، بل أراني أمام إنسانة تحاول أن تترك بصمة متواضعة من روحها في مدينة ليست بالفاضلة كما تعلمنا من بطون الأدب.

ابتعت منها بعض اللوحات.

والله، لم أشترها شفقة، ولا مجاملة. وددت أن أقتنيها لأنني شعرت أن وراء ألوان أمارة القزحية علامة استفهام كبرى تؤثر وتهمس لي، ربما بطريقة غير مباشرة: أنا هنا، انظر إليّ كما أنا، لا كما ظننتني في اللحظة الأولى.

ومن ثمة تركتها بعد أن تودعنا وافترقنا باحترام.

لمحت في جهة أخرى من هوامش الأرصفة رجل يتقمص هيئة الشرطي.

انبصمت يا سادتي صورته في صميم ذاكرتي.

كان يرتدي ملابس تشبه زي الشرطة، ويحمل حول جسده مجموعة من الأسلحة. للوهلة الأولى بدا لي المشهد مريب وغريب، وربما مخيف على حد سواء، بيد أن الاقتراب منه كشف لبصيرتي أن ما دجج نفسه به من الأسلحة لم تكن أكثر ألعاب بلاستيكية.

كان شعره على هيئة  فناني الراستامان، وهيئته تذكّر بشخصية من أفلام الغرب الأميركي، حتى خُيّل إليّ أن «ديجانغو» خرج من الشاشة يرفل كالليث المغوار في أحد أرصفة تلك المدينة الخائرة، بوغوتا.

لكن ما شدني حينئذ لم يكن ما تبدّى من مظهره، بل ذلك السؤال الذي تركه في أعماق فؤادي.

كان رجال الشرطة الحقيقيون يمرون من أمامه مرور الكرام، لا يعيرونه حتى بنظرة، يرفلون في خيلاء ذهابا وإيابا، دونما بسمة ناهيك عن ابتسامة، يحسبون في خيلائهم تلك أنه قاب قوسين أو أدنى بأن  يخرقوا الأرض وأن يبلغوا الجبال طولا. لكن ما علينا.

أما هو، فكان يغدو ذهابا وإيابا في خشبة مسرحه الشوارعي، يؤدي الدور الذي اختاره لنفسه، وكأنه يعيش قصة لا أعرف بدايتها ولا نهايتها. اللهم إلا أن البطل الذي ينشد خلاص البشرية في الزمكان.

وقفت أتأمله من بعيد.

من يكون هذا الرجل؟

هل هو فنان؟

هل يبحث عن هوية؟

هل وجد في هيئة الشرطي شئ من القوة التي سلبتها إياه أيادي القدر؟

أم أنه ببساطة إنسان قرر أن يمنح نفسه، ولو لحين، شخصية بطل يؤثرها؟

لا أعرف يا سادتي..

وربما ليست كل الأسئلة بحاجة إلى إجابة.

يكفيني أنني أدركت، وأنا أنظر إليه، كم نحن، بنو آدم، سريعون في الأحكام المسبقة على البشر.

لعمري فإن المدينة التي تعلّمك أن تتوقف، لترجع البصر كرتين، تحمل إليك رسالة صماء عليك أن تفسر طلاسمها، بكل ما تحمل هذه المفردة من معاني.

ربما لهذا أراني عشقت  شوارع بوغوتا، أهلها ومعالمها التي باغتت نفسي بسهامها لتخترق فؤادي، تفتحه على مصرعيه، ولله في خلقه شؤون.

إن هذه المدينة الحالمة والغارقة في نفسها لا تهمس  لك شئ بصوت مباشر، بيد أنها تترك أمامك عينيك يا إنسان مشاهد كثيرة، وتلهمك شتى السبل لكي تبحث عن فحواها.

كلما مشيت فيها شعرت أن الطرقات سفر مفتوح، بيد أن صفحاته ليست مكتوبة بمداد نعرفه، بل بحبر الوجوه المتأملة وربما بالخطوات والأصوات والروائح واللوحات وحركة الباعة والعابرين.

وقد تعلمت يا سادتي أن أتوقف وأقول لولا أنني امتطيت هذه الطائرة لمدة ١٤ ساعة لما رأيت ما رأيت ولما وعيت ما وعيت، وفوق كل ذي علم عليم.

تأمل قليلا سيدي وسيدتي قبل أن تحكم أو تحكمي.

فالإنسان الذي أراه لدقائق قد يكون قد عاش عمرا كاملا لا أفقه أو أعرف عنه شيئًا.

وهنا تذكرت حكمة عربية قديمة: «لا تحكم على الكتاب من غلافه».

لكن يا أحبتي ليس الإنسان سفرا يمكن الولوج إليه متى شئنا. فبعض صفحاته لا يفتحها هذا السفر التليد إلا لمن يقترب في تؤدة وخضوع وبكل ما تحمل كلمة احترام من فحوى.

ولعل هذا هو الفرق بين أن نرى الإنسان وأن نحكم عليه.

فوراء كل مظهر حكاية، في زمن أصبحت فيه السخرية كشرب الماء، والحكم أسرع من المعرفة، صرنا نختصر الناس في !شكالهم. هل تعرفون مقولة: «ربّ أشعث أغبر».

هذا غريب.

وهذا مختلف.

وهذا لا يشبهنا.

وهذا لا يعجبنا.

ثم ننسى أن حكمة الاختلاف نفسها معجزة ربانية، وهي أحد أجمل أوجه الحياة. تذكروا بعض آي الذكر الحكيم في هذا السياق، أفي أنفسنا، أفلا نبصر؟!.

لم تكن أمارا تشبه الصورة التي رسمتها لها في اللحظة الأولى، ولم يكن الرجل الذي ارتدى زي الشرطي مجرد ذلك المظهر الغريب الذي رأيته من بعيد.

كلاهما كان يحمل شيئا لا يظهر في الصورة.

وهذا ما جعلني أفكر في قول الكاتب الفرنسي، صاحب الأمير الصغير، أنطوان دو سانت إكزوبيري إن الأشياء الأساسية لا تُرى بالعين وحدها.

ربما نحن بحاجة إلى عين أخرى؛ عين أكثر هدوء ورحمة.

قليل من الحب.. وكثير من الاحترام

لا يعني احترام الإنسان أن نوافقه في كل شيء، ولا يعني أن نبرر كل تصرفاته. يمكن أن نختلف، وأن ننتقد، وأن نرفض، لكن من دون أن نفقد إنسانيتنا.

أحيانًا لا يحتاج الآخر منا إلى شيء كبير.

يكفي ألا نسخر منه.

ألا نحتقره.

ألا نحوله إلى مادة للفرجة.

يكفي أن نترك له حقه في أن يكون نفسه.

فالحب، في أبسط صوره، قد لا يكون أكثر من احترام.

والسلام يبدأ أحيانًا من لحظة صغيرة جدًا: أن تنظر إلى إنسان غريب عنك، ثم تقول في داخلك: ربما وراء هذا الوجه حكاية لا أعرفها.

خاتمة للتأمل

من شوارع بوغوتا، لم أعد أتذكر فقط اللوحات التي اشتريتها من أمارا، ولا الرجل الذي وقف بزي الشرطي وأسلحته البلاستيكية.

أتذكر ما تركاه في داخلي.

أتذكر أنني قد أرى إنسانا في لحظة، بينما هو يحمل وراء تلك اللحظة عمرا كاملا.

وأتذكر أن المدن، مثل البشر، لا تُعرف من واجهاتها فقط.

ربما لهذا أصبحت، كلما مررت بشخص «غريب» في طرقات أو شوارع بوغوتا، أقل استعجالا في الحكم عليه.

أنظر.

ثم أتوقف.

ثم أترك للحكاية احتمالا.

فليس كل ما نراه حقيقة، وليس كل ما لا نفهمه يستحق السخرية.

وفي عالم يزداد قسوة يوما تلو الآخر، ربما يكون أجمل ما نستطيع فعله بسيطا جدا:

أن نرى الإنسان قبل أن نرى اختلافه.

وأن نترك في طريق الآخرين شيئا من الاحترام، بدل أن نضيف إلى العالم حكما جديد.

https://anbaaexpress.ma/zga4x

محمد بدوي مصطفى

كاتب وباحث سوداني مقيم في ألمانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى