آراء
أخر الأخبار

من قراءة المسبحة إلى الحرب النفسية.. كيف صار العرّاف سلاحًا؟

أتذكر، ونحن صغار، في عمر المراهقة أو في سنوات الجامعة الأولى، أننا كنا نخرج في رحلات مدرسية أو جامعية، فنلتقي أحيانًا بنساء يجلسن على قارعة الطريق ويعرضن علينا أن «يبصّرن» لنا. واحدة بالمسبحة، وأخرى بالصدف، وثالثة بالورق، ورابعة تكتفي بالنظر إلى الكف.

كنا ندفع لهن مبلغًا بسيطًا بدافع الفضول والتسلية. نسمع كلامًا عن الحب والزواج والسفر والحظ، نضحك قليلًا، ثم ننسى في اليوم التالي معظم ما قيل لنا.

كانت المسألة أقرب إلى لعبة عابرة؛ بصّارة تحاول أن تكسب بعض المال من مجموعة مراهقين، ومراهقون يريدون تمضية الوقت.

لم نكن نعرف أن هذه المهنة ستكبر إلى هذا الحد.

ولم نكن نعرف أيضًا أن العرّاف، في زمن لاحق، لن يعود بحاجة إلى شارع أو قارعة طريق أو غرفة صغيرة تفوح منها رائحة البخور.

اليوم، لم يعد العرّاف يجلس في زاوية شارع، لا في المنارة ولا في مرجة بعلبك ولا في بيت الدين. صار له برنامج تلفزيوني، وصفحات على «فيسبوك»، وحساب على «تيك توك»، وقناة على «يوتيوب»، وملايين المشاهدات أحيانًا، وجمهور ينتظر ظهوره كما ينتظر نشرة الأخبار.

بل إن بعضهم أصبح يملك ما يشبه المؤسسة الإعلامية الصغيرة: فريق تصوير، وإدارة صفحات، ومقاطع قصيرة مصممة بعناية، وعناوين مثيرة، وإعادة تدوير يومية للتوقعات، وجمهور يتولى بنفسه نشر المحتوى وتوزيعه.

لم تعد المسبحة هي الأداة الوحيدة.

الهاتف صار مسبحة العصر.

ولم يعد كلام العرّاف محصورًا في الحب والزواج والطلاق والسفر والحظ، بل صار يتحدث عن رؤساء وحروب واغتيالات وانقلابات وصواريخ وكوارث وأحداث أمنية، وبثقة توحي للمشاهد أنه لا يتوقع، بل يعرف.

وفي لبنان، للعرافين وقت تلفزيوني يكاد يكون ثابتًا، وتبلغ ذروته ليلة رأس السنة. حلقات خاصة، ساعات من البث، وأسماء معروفة تستقطب المشاهدين والإعلانات. وبعض هذه الحلقات يتحول إلى حدث تجاري كبير، وقد تصل قيمة الإعلانات والرعاية المرتبطة بها إلى أرقام ضخمة، بحسب الاسم وحجم البرنامج والسوق الإعلانية.

أي أننا لم نعد أمام امرأة تقرأ المسبحة مقابل مبلغ صغير.

نحن أمام صناعة.

والأهم أن هذه الصناعة لم تعد لبنانية فقط.

ظاهرة عربية بامتياز

من لبنان إلى مصر وسوريا والعراق والأردن ودول الخليج والمغرب العربي، لم تعد ظاهرة التنجيم وقراءة المستقبل حبيسة المجالس الخاصة أو الدكاكين الصغيرة. لقد انتقلت إلى التلفزيون، ثم إلى المواقع الإلكترونية، ثم إلى منصات التواصل الاجتماعي، وتكيّفت مع كل وسيلة جديدة.

وفي كل بلد عربي تقريبًا، يمكن العثور على أسماء تقدم نفسها باعتبارها عرّافين أو منجمين أو قارئي طالع أو أصحاب «توقعات»، مع اختلاف الأساليب والتعابير والشخصيات.

بعضهم يتحدث عن الأبراج، وبعضهم عن «الطاقة»، وبعضهم عن الأحلام والرؤى، وبعضهم عن قراءة الكف أو الورق أو المسبحة، فيما يذهب آخرون مباشرة إلى السياسة والأمن والحروب.

واللافت أن الظاهرة لم تتراجع مع ارتفاع مستوى التعليم وانتشار التكنولوجيا.

حدث العكس تقريبًا.

كلما تقدمت التكنولوجيا، وجد العرّاف وسيلة جديدة للوصول إلى الناس.

كان يحتاج في الماضي إلى غرفة، ودفتر مواعيد، وزبائن يأتون إليه.

اليوم يكفيه هاتف ذكي.

كان ينتظر أن يدفع له الزبون مقابل جلسة.

اليوم يمكن أن يحصل على ملايين المشاهدات، والإعلانات، والهدايا الرقمية، والاشتراكات، والتفاعل، وربما فرصًا تلفزيونية أكبر.

وهكذا انتقل التنجيم من مهنة هامشية إلى جزء من اقتصاد الانتباه.

وهنا تحديدًا تكمن المفارقة.

الإنسان العربي الذي يملك هاتفًا حديثًا، ويتابع الأخبار لحظة بلحظة، ويستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي ويطلب الطعام ويدفع فواتيره عبر الهاتف، قد يعود في نهاية اليوم إلى شاشة أخرى ليستمع إلى شخص يخبره بما سيحدث له في المستقبل.

ليس لأن التكنولوجيا أعادت الناس إلى الوراء بالضرورة، بل لأن الخوف والقلق والحاجة إلى معرفة المجهول لم تختفِ مع التطور.

بل ربما أصبحت أكبر.

حين يصبح الخوف مادة إعلامية

في المجتمعات المستقرة نسبيًا، يمكن أن تمر توقعات العرّاف على أنها نوع من التسلية.

أما في المنطقة العربية، فالأمر أكثر تعقيدًا.

نحن نعيش في منطقة لم تتوقف فيها الحروب والأزمات والانقلابات والاغتيالات والكوارث الاقتصادية والسياسية.

لبنان يعيش منذ سنوات على وقع التهديد والقصف والاغتيالات والنزوح والانهيار الاقتصادي والقلق على المصير. وفي سوريا والعراق واليمن والسودان وليبيا وغيرها من الدول العربية، عاشت أجيال كاملة على وقع الحرب أو الاضطراب أو عدم الاستقرار بدرجات مختلفة.

في مثل هذه البيئات، تصبح الأرض أكثر خصوبة للخوف.

يكفي أن يظهر شخص على شاشة ويقول:

«أرى دمًا».

«أرى اغتيال شخصية».

«أرى ضربة كبيرة».

«أرى أيامًا صعبة قادمة».

«هناك حدث أمني كبير».

«هناك شخصية ستختفي».

«هناك دولة ستدخل الحرب».

حتى تبدأ الجملة رحلتها من الشاشة إلى الهاتف، ومن الهاتف إلى العائلة، ومن العائلة إلى مجموعات «واتساب»، ثم إلى صفحات التواصل الاجتماعي.

وقد لا ينتظر الخائف وقوع الحدث.

هو يبدأ بعيشه قبل أن يحدث.

وهذا، في رأيي، هو الجانب الأخطر في المسألة.

من لبنان إلى العالم العربي… الجمهور نفسه والخوف نفسه

قد تختلف اللهجات والأسماء والبرامج، لكن آلية الانتشار واحدة تقريبًا.

في القاهرة، يمكن لمقطع قصير عن «توقع خطير» أن ينتشر خلال ساعات.

وفي بغداد، يمكن لتوقع يتعلق بالأمن والسياسة أن يجد طريقه سريعًا إلى جمهور قلق أصلًا من التطورات المحيطة به.

وفي دمشق، أو عمّان، أو الخرطوم، أو صنعاء، أو طرابلس، أو غيرها من العواصم والمدن العربية، يمكن للجمهور أن يتعامل مع «التوقع» وفق درجة القلق الموجودة أصلًا في المجتمع.

أما دول الخليج، التي شهدت تحولًا هائلًا في البيئة الإعلامية والرقمية، فلم تكن بمنأى عن الظاهرة، وإن اختلف حضورها وشكلها من بلد إلى آخر.

وهكذا لم يعد العرّاف يقدم منتجًا محليًا.

هو يقدم منتجًا قابلًا للتصدير.

مقطع واحد يمكن أن يصل إلى اللبناني والمصري والعراقي والسوري والخليجي والمغاربي في اليوم نفسه.

والخوارزمية لا تسأل عن جنسية الخائف.

هي تبحث عن التفاعل.

كلما أثار الفيديو خوفًا أكبر، أو فضولًا أكبر، أو جدلًا أكبر، ارتفعت احتمالات انتشاره.

وهنا تصبح المشكلة أكبر من العرّاف نفسه.

إنها مشكلة اقتصاد كامل قائم على جذب الانتباه.

الحرب النفسية لا تحتاج دائمًا إلى بندقية

خصوصًا عندما يكون الكلام موجهًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى جمهور يعيش الحرب أو يشعر بأنه مستهدف فيها، وخصوصًا جمهور المقاومة.

التكرار اليومي لسيناريوهات الموت والاغتيال والتهجير والدمار لا يبقى مجرد كلام عابر.

مع الوقت، يتحول إلى ضغط نفسي مستمر، وإلى حالة ترقّب دائم:

ماذا سيحدث غدًا؟

من سيُغتال؟

أين ستكون الضربة؟

هل علينا أن نغادر؟

هل هناك حرب جديدة؟

هل ستنهار الجبهة؟

هل سيحدث اغتيال كبير؟

هل ستتغير المعادلة؟

هذه بالضبط إحدى وظائف الحرب النفسية: ألا تحتاج دائمًا إلى إطلاق النار حتى تؤذي خصمك.

يكفي أحيانًا أن تجعله ينتظر الرصاصة طوال الوقت.

ومن هنا، يصبح العرّاف جزءًا محتملًا من منظومة التأثير النفسي الجماعي، سواء كان يعرف ذلك أم لا.

فالنبوءة لا تحتاج إلى أن تصيب حتى تترك أثرها.

يكفي أن تخيف.

وقد يكون الشخص الذي يطلق التوقع صادقًا في اعتقاده بما يقول، وقد يكون يبحث عن الشهرة، وقد يكون مدفوعًا بمنطق تجاري بحت، وقد تكون هناك في حالات أخرى دوافع أكثر تعقيدًا.

المشكلة أن الجمهور لا يستطيع دائمًا التمييز بين هذه الاحتمالات.

وهذا تحديدًا ما يجعل المسألة خطرة.

من المستفيد؟

السؤال الذي يجب أن يُطرح هنا ليس فقط:

هل يصدق الناس هؤلاء؟

بل: من المستفيد من إبقاء فئة من الناس في حالة خوف يومي؟

لا أقول إن كل عرّاف مرتبط بجهاز مخابرات، ولا أملك أساسًا يسمح لي بإطلاق هذا الاتهام على أحد.

لكن بعض ما يقال على الشاشات يستحق السؤال.

من أين تأتي هذه المعلومات؟

كيف يستطيع شخص يدّعي أنه يرى المستقبل أن يقدم أحيانًا تفاصيل تتعلق بأحداث أمنية وسياسية شديدة الحساسية؟

هل هي مجرد مصادفات؟

هل هي قراءة ذكية للمشهد السياسي؟

هل هي معلومات يجري تداولها أصلًا في دوائر معينة؟

هل هي مبالغات مقصودة؟

أم أن الأمر في بعض الحالات يتجاوز كل ذلك؟

هذه أسئلة مشروعة، لكن الإجابة عنها تحتاج إلى تحقيق وأدلة، لا إلى اتهامات جاهزة.

وهذا هو الفارق بين الصحافة وبين الترويج لنظرية مؤامرة.

العرّاف الجديد لا يحتاج إلى تلفزيون

ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتغير قواعد اللعبة بالكامل.

ظهرت طبقة جديدة من «البصارين» لم يكن أحد يسمع بهم قبل سنوات، ثم فجأة أصبح لديهم عشرات الآلاف أو مئات الآلاف من المتابعين.

بعضهم يبني حضوره على توقعات يومية.

بعضهم على مقاطع صادمة.

بعضهم يرفع سقف كلامه كلما احتاج إلى مزيد من المشاهدات.

وبعضهم يعيد استخدام توقعات قديمة بعد وقوع الأحداث، أو يقتطع جملًا سابقة ويعيد تقديمها باعتبارها «تنبؤًا تحقق».

في عالم السوشيال ميديا، لا تحتاج إلى أن تكون معروفًا كي تصبح مؤثرًا.

يكفي أن يكون لديك محتوى يثير الخوف والفضول.

ثم تبدأ الخوارزمية عملها.

مقطع قصير.

عنوان صادم.

وجه متوتر.

موسيقى مناسبة.

جملة مثل «انتبهوا لما سيحدث في الأيام المقبلة».

ثم آلاف المشاركات.

وهكذا يمكن لشخص لم يكن له أي حضور إعلامي قبل عام واحد أن يصبح، خلال فترة قصيرة، مصدرًا لما يعتبره البعض «معلومة» عن المستقبل.

وهنا تقع الكارثة اللغوية قبل الكارثة النفسية.

لأن كلمة «توقع» تبدأ بالتسلل إلى مكان كلمة «معلومة».

والفرق بينهما هائل.

عندما تتحول النبوءة إلى خبر

الخبر له مصدر.

التوقع ليس خبرًا.

المعلومة تحتاج إلى تحقق.

أما النبوءة فلا تحتاج إلى أي دليل لكي تُقال.

لكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل النبوءة إلى مواقع التواصل من دون أي سياق، ويعاد نشرها على أنها معلومة أمنية أو سياسية.

قد يقول شخص إن شخصية ستُغتال.

يأتي شخص آخر فيكتب: «مصدر يتحدث عن اغتيال قريب».

ثم ينقل ثالث الكلام باعتباره «معلومات خاصة».

وبعد عشرات المشاركات، تختفي نقطة البداية.

ولا يعود أحد يعرف أن أصل القصة كان شخصًا يجلس أمام كاميرا ويقول إنه «رأى» شيئًا.

وهكذا يمكن أن تتحول الخرافة إلى شائعة، والشائعة إلى معلومة، والمعلومة المزعومة إلى حالة هلع.

وهذا تحديدًا ما يجعل ظاهرة العرافين أكثر من مجرد قضية دينية أو اجتماعية.

إنها، في بعض ظروفها، قضية إعلامية وأمنية ونفسية أيضًا.

القانون أمام عرّاف القرن الحادي والعشرين

وهنا نصل إلى القانون.

أبرز العقوبات في دول الخليج والدول العربية

● الإمارات: يُعاقب بالحبس والغرامة التي لا تقل عن 50,000 درهم كل من يرتكب أعمال السحر أو الشعوذة أو يدعي علم الغيب ومعرفة الأسرار بقصد استغلال الناس، مع إبعاد المحكوم عليه الأجنبي.

● قطر: نص قانون العقوبات على المعاقبة بالحبس مدة تصل إلى 15 سنة وبغرامة تصل إلى 200,000 ريال لكل من يمارس أعمال الشعوذة والدجل أو إيهام الناس بالقدرة على معرفة الغيب.

● السعودية: تُفرض عقوبات بالسجن والغرامة الكبيرة، وتصل إلى عقوبات تعزيرية صارمة للمتورطين في أعمال الكهانة أو إنشاء مواقع إلكترونية للتررويج لها.

● الدول العربية (كالأردن ولبنان): تجرّم قوانين العقوبات (مثل المادة 471 في الأردن والمادة 768 في لبنان) تعاطي التنجيم وقراءة الكف وعلم الغيب بقصد الربح، وتستوجب التوقيف والغرامة ومصادرة الأدوات المستعملة.

أما المملكة المغربية فقد نص القانون المغربي في الفصل 609 من القانون الجنائي المغربي في فقرته 35 على أن: “من احترف التكهن والتنبؤ بالغيب أو تفسير الأحلام يعاقب بغرامة تتراوح بين 10 و120 درهما، ويعتبر هذا الفعل مخالفة من الدرجة الثالثة، وينص الفصل 726 من قانون الالتزامات والعقود على بطلان كل اتفاق يكون موضوعه تعليم أو أداء أعمال السحر والشعوذة أو القيام بأعمال مخالفة للقانون..”.

لكن المفارقة واضحة.

النص يتعامل مع العرّاف بمنطق زمن كان فيه شخص يجلس في زاوية ويقبض مالًا مقابل قراءة الكف.

بينما نحن اليوم أمام شاشات ومنصات وملايين المتابعين وإعلانات ورعايات، وأحيانًا أمام تأثير نفسي يصل إلى جمهور واسع في لحظة حرب.

فهل يكفي نص قانوني قديم لمواجهة ظاهرة تغيّرت أدواتها وحجمها وتأثيرها؟

ثم هناك الدولة اللبنانية.

أين هي من كل ذلك؟

إذا كان القانون يجرّم أصل ممارسة العرافة بقصد الربح، فماذا عن الحالات التي تتجاوز ذلك إلى الاحتيال؟

ماذا عن بث الشائعات؟

ماذا عن تخويف الناس واستغلال قلقهم؟

وماذا عن شخص يستخدم منصته في زمن الحرب لبث معلومات أمنية لا مصدر لها، ويعيد آلاف الأشخاص نشرها وكأنها أخبار مؤكدة؟

هنا لا يعود النقاش متعلقًا بحرية شخص في الاعتقاد أو ممارسة طقس معين.

إنه يتعلق بالحد الفاصل بين حرية التعبير وبين التسبب في ضرر عام.

صناعة كاملة تعيش على القلق

الأغرب أن بعض الذين بنوا شهرتهم على بيع المستقبل استطاعوا تحويل هذه المهنة إلى تجارة كبيرة جدًا.

المعلن يريد جمهورًا.

والبرنامج يريد نسبة مشاهدة.

والمنصة تريد وقت مشاهدة أطول.

والعرّاف يريد مزيدًا من المتابعين.

والجمهور يريد إجابة عن سؤال واحد:

ماذا سيحدث؟

وهكذا يجد الجميع مصلحة، بدرجات مختلفة، في استمرار الحلقة.

حتى الخوف نفسه أصبح منتجًا إعلاميًا.

كلما كانت السنة المقبلة «خطيرة»، ارتفعت المشاهدة.

كلما كان هناك «سر كبير»، زاد الفضول.

كلما كان هناك «حدث صادم»، زادت المشاركة.

وكلما ارتفع مستوى الرعب، ارتفع سعر الانتباه.

ليس المطلوب هنا أن نمنع الناس من مشاهدة هذه البرامج أو أن نتصرف وكأن الجمهور عاجز عن التمييز.

لكن المطلوب أن نفهم كيف تعمل هذه الصناعة.

لأن الإنسان الخائف لا يتلقى المعلومات بالطريقة نفسها التي يتلقاها الإنسان الهادئ.

الخوف يرفع الحساسية تجاه التهديد.

ويجعل الإنسان يبحث عن أي إشارة تؤكد مخاوفه.

وهنا يستطيع العرّاف أن يقدم له بالضبط ما يبحث عنه.

ليس الحقيقة.

بل تفسيرًا للخوف.

لماذا يصدق الناس؟

قد يكون من السهل السخرية من شخص يصدق العراف.

لكن السخرية لا تفسر الظاهرة.

لماذا يلجأ الناس إلى هؤلاء أصلًا؟

لأن المستقبل مجهول.

والإنسان لا يحب المجهول.

وعندما يعيش الإنسان أزمة اقتصادية، أو حربًا، أو مرضًا، أو مشكلة عائلية، أو خوفًا على أولاده، يصبح مستعدًا لسماع أي شخص يقول له إنه يملك إجابة.

حتى لو كانت الإجابة بلا دليل.

وفي العالم العربي، حيث تتقاطع الثقافة الشعبية مع الدين والموروثات الاجتماعية والأساطير والحكايات القديمة، يصبح التعامل مع الغيب أكثر حساسية وتعقيدًا.

لكن المشكلة ليست في الإيمان بالغيب باعتباره مفهومًا دينيًا.

المشكلة في الشخص الذي يحول ادعاء معرفة الغيب إلى سلعة.

ثم يبيع هذه السلعة لجمهور خائف.

ربما حان وقت تغيير السؤال

لقد تغيرت المسبحة.

وتغيرت الصدفة.

وتغير الورق.

وتغيرت الشاشة.

وتغير المال.

وتغيرت سرعة انتشار الكلام.

العرّاف الذي كان ينتظر زبونًا أمامه أصبح اليوم يستطيع الوصول إلى ملايين الأشخاص في وقت واحد.

والتوقع الذي كان ينتهي بانتهاء الجلسة أصبح يعيش على الإنترنت سنوات.

لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.

العرّاف لا يحتاج إلى أن يعرف المستقبل كي يؤثر في الناس.

يكفي أحيانًا أن يجعلهم يخافون منه.

ولهذا ربما حان الوقت لأن نتوقف عن السؤال:

«ماذا رأى العرّاف؟»

وأن نبدأ بسؤال أكثر أهمية:

«لماذا نسمح له بأن يتحول إلى مصدر خوف جماعي؟»

ثم السؤال الأكثر حساسية:

«من يدفع له؟ من يمنحه المنبر؟ من يروّج له؟ ومن المستفيد من أن يصدقه الناس؟»

لا أملك إجابة جاهزة عن كل هذه الأسئلة.

ولا ينبغي للصحافة أن تخترع إجابات لا تملك أدلتها.

لكن مجرد طرح الأسئلة أصبح ضروريًا.

ففي زمن الحرب، يمكن للكلمة أن تكون أكثر من كلمة.

يمكن أن تكون شائعة.

ويمكن أن تكون ضغطًا نفسيًا.

ويمكن أن تكون جزءًا من حملة تأثير.

وقد تكون مجرد تجارة رخيصة قائمة على الخوف.

وفي كل الحالات، يبقى على الإعلام أن يميز بين التسلية والمعلومة، وبين التوقع والخبر، وبين حق الإنسان في الاعتقاد وبين حق المجتمع في ألا يتحول خوفه إلى سلعة.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يخطئ العرّاف في توقعه.

الأخطر أن ينجح في جعل الناس يعيشون الحدث قبل وقوعه.

وهنا تحديدًا، لا يعود السؤال:

هل يعرف العرّاف المستقبل؟

بل: من يريد لهذا المستقبل أن يبدو مخيفًا إلى هذا الحد؟

https://anbaaexpress.ma/xpr52

داني الامين

صحفي لبناني ومستشار علاقات عامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى