عبد الحميد أبوزرة
أعادت مشاهد اندفاع آلاف الشباب المغاربة، ومعهم نساء وأطفال، نحو سبتة، طرح سؤال يتكرر كلما انفجرت موجة هجرة جماعية: لماذا يغامر هذا العدد الكبير من الناس بحياته من أجل عبور بضعة كيلومترات فقط؟ وكما يحدث في كل مرة، انقسمت التفسيرات بين من يرى في الظاهرة نتيجة مباشرة للفقر والبطالة، ومن يربطها بالأزمة السياسية، ومن يحمل وسائل التواصل الاجتماعي كامل المسؤولية، ومن يعتبرها مجرد توظيف ظرفي في سياق إقليمي معقد.
غير أن العلوم الاجتماعية تعلمنا أن الظواهر الكبرى لا تُفسر بعامل واحد، بل هي نتيجة تفاعل مجموعة من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والسياسية والثقافية. ومن هذا المنطلق، أعتقد أن فهم ما وقع يمر عبر ثلاثة مفاتيح أساسية.
أول هذه المفاتيح يرتبط بخصوصية سبتة نفسها. فمن الصعب فهم هذه الأحداث إذا تعاملنا مع سبتة باعتبارها مجرد مدينة أوروبية. فهذه المدينة تقع جغرافياً فوق التراب المغربي، ويعتبرها المغرب جزءاً من أراضيه المحتلة، ويجدد المطالبة باسترجاعها في المحافل الدولية.
كما أن سبتة ليست فضاءً غريباً عن المغاربة؛ فقد عاش فيها آلاف منهم، وكان يعبر إليها يومياً آلاف العمال والتجار وأفراد الأسر قبل تشديد القيود الحدودية، ولا تزال تربطها بمدن الشمال المغربي علاقات اجتماعية واقتصادية وإنسانية متشابكة.
هذه الخصوصية تجعل الحاجز النفسي أقل حدة مما هو عليه في الهجرة نحو إيطاليا أو اليونان أو غيرهما. فبالنسبة إلى كثير من الشباب، تبدو سبتة امتداداً قريباً أكثر من كونها انتقالاً إلى عالم مجهول.
غير أن هذه الصورة الذهنية قد تحجب حقيقة أخرى، وهي أن الوصول إلى سبتة لا يعني بالضرورة الوصول إلى الحياة الأوروبية التي يتخيلها البعض، ولا يضمن الاستقرار أو العمل أو الانتقال إلى باقي الدول الأوروبية.
أما المفتاح الثاني، فيرتبط بالتحولات العميقة التي يعيشها جيل “زد”، وهو الجيل الذي تشكل وعيه داخل عالم رقمي مفتوح. لقد أصبحت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي شريكاً أساسياً للأسرة والمدرسة في تشكيل أحلام الشباب وتصوراتهم عن النجاح.
ولم يعد النجاح يُقاس بالتدرج المهني أو بالاستقرار الوظيفي، بقدر ما أصبح يقاس بسرعة الوصول إلى الشهرة والثروة ونمط الحياة الذي تعرضه الشاشات كل يوم.
في هذا السياق، تتحول شخصيات مثل لاعب كرة القدم الإسباني من أصول مغربية وغينية استوائية، لامين يامال، إلى رمز يتجاوز الرياضة. فقصته العائلية، المرتبطة بالهجرة والعمل الشاق، ثم نجاحه العالمي في سن مبكرة، تشكل بالنسبة إلى كثير من المراهقين صورة جذابة عن إمكانية تغيير المصير.
غير أن المشكلة لا تكمن في هذا النموذج نفسه، وإنما في القراءة الانتقائية التي تقدمها وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تعرض النتيجة النهائية بكل ما فيها من شهرة ومال وسيارات، بينما تغيب عنها سنوات التعب والعمل، كما تغيب عنها ملايين القصص التي لم تصل إلى النهاية نفسها.
ومن الخطأ اختزال هذه الظاهرة في تأثير لاعب كرة قدم أو مؤثر رقمي، لكنها تعكس تحولاً أوسع في منظومة القيم لدى جزء من الشباب، حيث أصبح الكثيرون يتطلعون إلى النجاح السريع، ويرفضون فكرة التدرج الطويل، ويبحثون عن حياة تمنحهم الحرية والاستهلاك والسفر والاستقلال بأسرع وقت ممكن.
وعندما يلتقي هذا الطموح مع البطالة، أو ضعف فرص الشغل، أو الشعور بانسداد الأفق، تصبح الهجرة بالنسبة إلى بعضهم أقصر الطرق لتحقيق ذلك الحلم.
أما المفتاح الثالث، فهو أن الهجرة لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها بحثاً عن دخل أفضل، بل قد تكون أيضاً شكلاً من أشكال الاحتجاج الصامت. فكثير من المهاجرين، عندما يروون قصصهم، لا يتحدثون فقط عن ضعف الأجور، بل يتحدثون عن شعورهم بالظلم، أو عن تجربة قضائية لم تنصفهم، أو عن صعوبة الولوج إلى العلاج، أو عن فقدان الثقة في المؤسسات، أو عن إحساسهم بأن الكفاءة وحدها لم تعد كافية لبناء مستقبلهم.
وقد لا تنطبق هذه التجارب على جميع المهاجرين، لكنها تكشف أن قرار الرحيل قد يكون، في بعض الحالات، تعبيراً عن فقدان الثقة بقدر ما هو بحث عن فرصة اقتصادية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا نغفل حقيقة بسيطة تؤكدها الجغرافيا البشرية وتاريخ الحضارات، وهي أن الإنسان كائن مهاجر بطبيعته. فمنذ آلاف السنين، انتقلت الشعوب بحثاً عن الماء، والأمن، والعمل، والمعرفة، وحياة أفضل.
وحتى في أكثر الدول تقدماً، يهاجر الملايين كل عام من أجل الدراسة أو العمل أو تحسين جودة الحياة. لذلك فإن الرغبة في الهجرة ليست، في حد ذاتها، مؤشراً على فشل مجتمع أو نجاح آخر. لكنها تتحول إلى جرس إنذار عندما تصبح هجرة جماعية يغلب عليها الإحباط والمخاطرة، ويشارك فيها الأطفال والقاصرون قبل البالغين.
ويبقى ما ميز أحداث سبتة هو الدور الاستثنائي الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع انتشار الدعوات إلى الهجرة. فقد أظهرت هذه الأزمة أن الإشاعة، عندما تجد بيئة يغيب فيها الأمل، وتضعف فيها الثقة، وتنتشر فيها المقارنات اليومية مع أنماط العيش في الخارج، تستطيع أن تعبئ آلاف الأشخاص في زمن قياسي.
ولم تعد الإشاعة مجرد خبر كاذب، بل أصبحت أداة قادرة على صناعة السلوك الجماعي، خصوصاً في أوساط الشباب الأكثر ارتباطاً بالعالم الرقمي.
لهذا، فإن معالجة الظاهرة لا ينبغي أن تبدأ عند السياج الحدودي، وإنما قبل ذلك بكثير. تبدأ داخل المدرسة التي تعيد بناء الأمل، وداخل الأسرة التي تستعيد دورها في التوجيه، وداخل المؤسسات التي تعزز الثقة، وداخل الاقتصاد الذي يخلق فرصاً حقيقية، وداخل الفضاء الرقمي الذي يحتاج إلى قدر أكبر من التربية الإعلامية والوعي النقدي.
فالشباب لا يحتاجون فقط إلى فرص عمل، بل يحتاجون أيضاً إلى أسباب مقنعة تجعلهم يؤمنون بأن المستقبل يمكن أن يُبنى داخل الوطن كما يمكن أن يُبنى خارجه، وأن الهجرة، إذا اختاروها، تكون مشروعاً واعياً ومنظماً، لا اندفاعاً جماعياً تصنعه الإشاعة ويغذيه اليأس.




