لم يدخل المولد النبوي إلى الذاكرة المغربية من بوابة الفتوى وحدها، بل عبر البيوت والمساجد والزوايا، وعبر أصوات المديح ورائحة الطعام واجتماع الأسر وزيارات الأقارب وملابس الأطفال ومواكب الشموع.
وعلى امتداد قرون، أصبح حلول ربيع الأول بالنسبة إلى أجيال من المغاربة مناسبة يتداخل فيها الديني بالاجتماعي، والروحي بالثقافي، حتى غدت ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم جزءا من الوجدان الجماعي قبل أن تتحول، في السنوات الأخيرة، إلى موضوع جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.
هذا الجدل ليس جديدا في أصله، لكنه جديد في سرعته وحدته واتساع جمهوره. فقد أصبح المغربي يتلقى في هاتفه فتاوى قادمة من مدارس فقهية ومجتمعات مختلفة، بعضها يصف الاحتفال بالمولد بالبدعة، وبعضها يراه مناسبة مشروعة لإحياء السيرة والصلاة على النبي وإطعام الطعام وصلة الرحم.
وهكذا انتقلت قضية ظلت قرونا في كتب الفقه ومجالس العلماء إلى فضاء رقمي سريع، كثيرا ما يختصر مسألة مركبة في سؤال واحد: هل تحتفل أم لا؟
تاريخيا، لا تثبت المصادر أن الصحابة والتابعين أقاموا احتفالا سنويا بالمولد بالصورة التي عرفتها العصور اللاحقة.
وهذه إحدى أهم الحجج التي يستند إليها المانعون، انطلاقا من أن العبادات توقيفية، وأن تخصيص زمن معين بشعيرة دينية متكررة يحتاج إلى دليل.
وفي المقابل، يرى المجيزون أن قراءة القرآن والسيرة، والصلاة على النبي، والصدقة، وإطعام الناس، وزيارة الأهل، كلها أعمال مشروعة في أصلها، وأن جمعها في مناسبة تذكارية لا يجعلها بالضرورة عبادة مستحدثة.
هنا يوجد جوهر الخلاف: ليس في محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا في فضل الصلاة عليه والاقتداء به، وإنما في مفهوم البدعة، وفي الحد الفاصل بين إنشاء عبادة جديدة وتنظيم أعمال مشروعة في زمن محدد.
أما في المغرب، فإن للمولد جذورا موثقة تمتد إلى القرن السابع الهجري. وترتبط إحدى أبرز بداياته المنظمة بالعالم أبي العباس أحمد العزفي السبتي، ثم بابنه أبي القاسم العزفي الذي أقام الاحتفال في سبتة خلال القرن الثالث عشر الميلادي.
وبعد ذلك انتقلت المناسبة إلى المجال الرسمي، وعرفها الموحدون، ثم رسخها المرينيون، قبل أن تتوسع في المجتمع وتكتسب أشكالا محلية متعددة.
ومع مرور الزمن، خرج المولد من مجالس العلماء والقصور إلى البيوت. ففي سلا ارتبط بموكب الشموع الذي أصبح جزءا من ذاكرة المدينة، وفي فاس ومكناس والرباط وغيرها ازدهرت مجالس المديح والسماع وقراءة السيرة، بينما احتفظت الأسر المغربية بعاداتها في إعداد الطعام، واستقبال الأقارب، وإكرام الأطفال، وإحياء المناسبة بطرق تختلف من منطقة إلى أخرى.
وهذا التوارث لا يجعل كل ممارسة دليلا شرعيا في ذاتها، لكنه يثبت أن المولد ليس ظاهرة وافدة حديثا على المغرب. فقد ترسخ داخل بيئة دينية تشكلت عبر قرون حول المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، وهي المرجعية التي طبعت جانبا واسعا من التدين المغربي.
ومع ذلك، فإن الانتماء إلى المذهب المالكي لا يحسم المسألة وحده، لأن علماء مالكيين أنفسهم اختلفوا فيها؛ فمنهم من أنكر الاحتفال، ومنهم من أجاز صوره الخالية من المحرمات.
وتزداد القضية تعقيدا حين تتحول كلمة «بدعة» من مفهوم فقهي يحتاج إلى تحرير ودقة، إلى حكم اجتماعي على الأشخاص. فالممتنع عن الاحتفال قد يفعل ذلك اقتناعا بأن اتباع الرسول يقتضي ترك ما لم يثبت عنه، والمحتفل قد يرى في السيرة والمديح والصدقة وصلة الرحم تعبيرا مشروعا عن محبته.
لذلك لا يجوز اختزال محبة النبي في طقس، ولا اتهام من تركه بالجفاء، كما لا يصح جعل كل محتفل مبتدعا أو ضالا لمجرد اختياره قولا فقهيا له جذور في التراث الإسلامي.
وفي المغرب المعاصر، ما زال المولد مناسبة دينية رسمية، وله موقع واضح في التقويم والعطل والمؤسسة الدينية، كما يستمر إحياؤه في صور متعددة.
لكن الاعتراف الرسمي به لا يلغي الخلاف الفقهي، مثلما أن الخلاف الفقهي لا يستطيع محو قرون من الذاكرة الاجتماعية والدينية.
التحدي الحقيقي اليوم ليس في أن ينتصر فريق على آخر، بل في ألا تتحول مسألة اجتهادية إلى شرخ داخل المجتمع. فوسائل التواصل لم تخلق الخلاف، لكنها ضخمته، وأخرجته من الكتب إلى الهواتف، ومن نقاش العلماء إلى سجالات العامة.
وبين أثر يبحث عن الدليل، وتوارث يحمل ذاكرة قرون، يستطيع المغاربة أن يختلفوا دون أن يفقدوا ما هو أعمق من الاختلاف نفسه.
فالمولد لا ينبغي أن يصبح موسما لقياس إيمان الناس أو محبتهم لرسول الله، بل مناسبة لاستعادة السؤال الأجدر: كم بقي من أخلاق النبي في صدقنا، ورحمتنا، وصلتنا بأهلنا، واحترامنا لمن يخالفنا؟
هناك، ربما، توجد الذكرى التي لا يختلف على قيمتها أحد.




