تضيع ملامحنا الإنسانية وتتلاشى تفاصيلنا الدافئة في زحام هذا الزمان الصاخب الذي سرق منا أعز ما نملك من قيم ونبل، وصارت قلوبنا تضيق ذرعاً حتى بالكلمة الطيبة والمواساة العابرة التي كانت تجمعنا بالأمس القريب في الدروب الضيقة والقديمة، وتحت ظلال الجدران المتعبة التي شهدت على طفولتنا وحكاياتنا.
كنا نعيش في زمن كان الفقر فيه يربطنا برباط متين من المودة الصادقة والرحمة المتبادلة، وكان العوز يجمعنا ولا يفرقنا، قبل أن تبدل الأيام والسنوات طباع النفوس، وتغير شيم البشر، وتجعل كل واحد منا يركض لاهثاً وراء مادة زائلة وسراب باهت لا يروي عطش الروح الظمأى، ولا يداوي جراح القلب المثقل بالهموم.
لقد تغلغلت قيم المادية الجافة في مفاصل مجتمعاتنا، وزحفت الثقافة الاستهلاكية المتوحشة إلى أعمق تفاصيل أيامنا وعلاقاتنا، وعمقت العزلة الرقمية والافتراضية تلك الهوة الإنسانية السحيقة، وحولت البيوت إلى جزر معزولة تفصل بينها مسافات باردة من الجفاء واللامبالاة.
فما الذي أصاب تلك الروابط الاجتماعية المتينة حتى تآكلت أركانها وصارت هشة تذروها رياح المصالح العابرة؟
وكيف تحول رغيف الخبز البسيط الذي كان يجمعنا بالرضا والقناعة والبركة إلى ميدان فسيح للمنافسة الشرسة والتباهي المظهري الذي لا يسمن ولا يغني من جوع؟
نحن نرى اليوم بأعيننا كيف يقضي المرء كدحه ويومه في عناء مستمر وشقاء دائم، طمعاً في توفير لقمة العيش الحلال وصون كرامة أبنائه، حيث يخرج في الصباح الباكر والظلام لا يزال مخيماً على البيوت، ينهش البرد القارس عظامه الوهنة ويثقل الهم والغم كاهله المتعب، فيسير بخطى وئيدة في تلك الأزقة والدروب التي حفظت خطواته الطويلة وعرف تباين تفاصيلها تعب عروقه الممتدة.
ورغم هذا الكفاح النبيل يواجه في طريقه نظرات الاحتقار الدونية أو ملامح اللامبالاة القاسية من أشخاص بليدين يقيسون قدر الإنسان وقيمته ومكانته بما يملكه في جيبه من مال أو ما يرتديه من مظاهر وخداع، متناسين في غمرة غفلتهم ما قاله الكاتب المصري عبد الرحمن الشرقاوي في روايته الخالدة الأرض، حين أكد بكل قوة أن الكرامة هي أغلى ما يملكه الفقير في حياته، وأن الرجال يوزنون بمواقفهم الثابتة وصبرهم الجميل على الشدائد والمحن لا بما تحويه أيديهم من حطام زائل.
هذا الواقع المرير والمأزق النفسي الحرج هو الذي دفع الكثيرين منا إلى لبس أقنعة التباهي الكاذب والتعالي المصطنع، واتخاذها كدرع دفاعي نفسي يحمون به جراحهم الغائرة وكبريائهم المجروح، لكي لا يظهر احتياجهم أو يبدو انكسارهم أمام مجتمع بات لا يرحم الضعيف ولا يقدر كفاح الشرفاء في معركة الحياة اليومية.
لقد غاب الصدق التلقائي في التعامل اليومي وحل محله التظاهر بالقوة الواهية، والتمثيل المبتذل أمام الغرباء في المقاهي والساحات العامة، بينما الحقيقة الصارخة والمنسية هي أننا جميعاً متعبون ومنهكون من الركض المتواصل خلف لقمة عيش باتت تأتي مغموسة بالمرارة والمهانة، ونحتاج في أعماقنا بشدة لمن يمسح عنا تعب الأيام القاسية بكلمة حنونة أو لفتة إنسانية صادقة، وهنا أستحضر بوضوح ما كتبه الروائي الفرنسي الكبير فيكتور هوجو في روائع روايته الشهيرة البؤساء، حيث يقرر بأن أكبر مأساة حقيقية تصيب الإنسان في حياته ليست هي جوع البطن والبدن، بل هي أن يعيش المرء غريباً ومرفوضاً ومنبوذاً في وسط مجتمعه ومحيطه، وهو تماماً ما نكابده ونعيشه في حاضرنا حين نرى الجفاء والهروب والأنانية غدت سيدة الموقف في الحي الواحد الذي كان يوماً بمثابة عائلة واحدة متماسكة.
ورغم أننا جميعاً نتقاسم نفس الهموم المعيشية ونواجه نفس قسوة الزمان وصعوبة الظروف الاقتصادية بصبر كفاحي متقد وأنين مكتوم لا يسمعه ولا يعلمه إلا الخالق سبحانه في جوف الليل المظلم، فإن جمر النبل والشهامة المتأصل في وجداننا لم ينطفئ تماماً تحت رماد الماديات، إذ لا تزال هناك بعض القلوب النابضة بالخير والمعدن الأصيل تعض على قيم التضامن والتكافل الاجتماعي بالنواجذ، معلنة عصيانها الشريف وتمردها الإنساني على برودة هذا العصر.
غير أن تلك القوة الهائلة والكامنة في أرواحنا ونفوسنا لا تزال تنتظر بشغف من يوقظها من مرقدها الطويل، وهي قوة حقيقية لا تكمن أبداً في قسوة القلوب أو في التنافس على جمع الأموال الحرام والأساليب الملتوية، بل تظهر جلية وتسطع في تلك اللحظة النادرة التي نتقاسم فيها القليل المتاح بصدق ويقين تاميّن، ونكتشف فيها بعيون البصيرة أن رغيفاً واحداً يتقاسمه صديقان مخلصان على طرف رصيف منسي بقلوب راضية ونفوس عزيزة يزن في ميزان الحق والعدل الإلهي أكثر من كل كنوز الدنيا الفانية التي تُجمع بالظلم والقهر أو بالتكبر والغطرسة على خلق الله.
إن السكينة الروحية والطمأنينة التي نشتاق إليها جميعاً ونبحث عنها لن تعود لبيوتنا الضيقة وقلوبنا الحائرة إلا حين ندرك من أعماق وجداننا أن فقرنا المادي لم يكن يوماً عيباً مشيناً أو منقصة تزري بالمرء وتحط من قدره الإنساني، بل هو مدرسة أخلاقية عظيمة في الصبر الصامد المقترن دائماً بالسعي الدؤوب ورفض الهوان والمذلة، مدرسة حية تصنع التغيير الحقيقي في الواقع وتزرع في النفوس الرضا الفاعل والهمة العالية لا الاستسلام الخانع أو الانبطاح للواقع المرير.
إن المخرج الحقيقي من هذا النفق المظلم ومن هذه المسافات الاجتماعية الباردة يبدأ أساساً حين نمتلك تلك الجرأة الشجاعة الكافية لكي نعود لأنفسنا ونلتفت إلى ذواتنا كما خلقنا الله أول مرة، بسطاء في طموحاتنا، صادقين في مشاعرنا، ويكون ذلك عبر إحياء المبادرات التكافلية الصغيرة داخل أحيائنا، وتعزيز قيم التزاور المباشر والتفقد المستمر لبعضنا البعض، وترسيخ الحوار الإنساني الحي والدافئ الذي يتحدى برودة الآلات وشاشات الهواتف الصماء.
عندها فقط، وعندها حصراً، سنفهم يقيناً واطمئناناً أن أماننا الإنساني والاجتماعي الحقيقي ليس في ما نكنزه في المصارف ونجمعه من حطام هذه الدنيا الزائل، بل يكمن في قدرتنا العالية على أن نكون سنداً حقيقياً وكتفاً دافئة لبعضنا البعض كبشر وأخوة يتقاسمون وجع الطريق الطويل وعوراته، ويحدوهم نفس الأمل ونفس الطموح في الوصول معاً بسلام وأمان إلى بر الأمان.
فمتى سنمتلك تلك الجرأة الكافية لكي نعود لأنفسنا كما خلقنا الله بسطاء وصادقين، ونفهم يقيناً أن أَمَانَنَا الحقيقي ليس في حطام الدنيا الزائل، بل في قدرتنا على أن نكون سنداً لبعضنا البعض كبشر يتقاسمون وجع الطريق؟ وهل ستذيب حرارة اللقاء الإنساني برودة هذه المسافات، أم سنظل نركض خلف السراب حتى تضيع ملامحنا تماماً؟




