قبل أقل من عام على الانتخابات التشريعية الإسبانية المرتقبة صيف 2027، يجد الحزب الشعبي نفسه أمام أحد أكثر الملفات حساسية في سياسته الخارجية: مستقبل الموقف الإسباني من قضية الصحراء، ومدى إمكانية مراجعة التحول الذي أقدمت عليه حكومة بيدرو سانشيز سنة 2022 بدعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
ورغم أن قيادة الحزب تواصل انتقاد الطريقة التي اتخذ بها سانشيز قراره، فإن رئيس الحزب ألبرتو نونييث فيخو لم يعلن صراحة عن عزمه التراجع عن الموقف الجديد، ما يعكس حذراً سياسياً واضحاً أمام تعقيدات العلاقات الإسبانية المغربية وتغير موازين القوى في المنطقة.
من المعارضة إلى الحكم.. تجربة راخوي حاضرة
يحضر في هذا النقاش بقوة نموذج ماريانو راخوي، آخر زعيم للحزب الشعبي تولى رئاسة الحكومة الإسبانية. فقد كانت مواقف الحزب، خلال وجوده في المعارضة، أكثر قرباً من الطرح الانفصالي، قبل أن تتغير الأولويات بعد وصول راخوي إلى السلطة سنة 2011.
وبمجرد توليه الحكومة، أعطت مدريد أهمية أكبر لعلاقاتها مع الرباط، خصوصاً في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة والتبادل التجاري، فيما جرى التعامل مع قضية الصحراء ضمن إطار أوسع للعلاقات الثنائية.
وتشير هذه التجربة إلى أن ما يمكن أن يبدو موقفاً سياسياً واضحاً من مقاعد المعارضة قد يصبح أكثر تعقيداً عندما يتحول صاحبه إلى مسؤول عن إدارة المصالح الاستراتيجية للدولة.
المغرب والجزائر وواشنطن.. معادلة يصعب على فيخو تجاهلها
لا يمكن للحزب الشعبي أن يتعامل مع قضية الصحراء بمعزل عن التحولات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
فالمغرب أصبح شريكاً استراتيجياً لإسبانيا في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والتجارة والاستقرار الإقليمي، بينما اكتسبت العلاقات الثنائية زخماً كبيراً منذ إعادة ترتيبها سنة 2022.
وفي المقابل، تظل الجزائر طرفاً أساسياً في الحسابات الإسبانية، خصوصاً في المجال الطاقي، ما يجعل أي تغيير في موقف مدريد من الصحراء مرتبطاً أيضاً بحساسية التوازن بين الرباط والجزائر.
أما الولايات المتحدة، التي اعترفت سنة 2020 بسيادة المغرب على صحرائه، فتشكل عاملاً إضافياً في حسابات أي حكومة إسبانية مقبلة. وبالتالي، فإن التراجع عن الموقف الحالي قد لا تكون تداعياته محصورة في العلاقة مع المغرب، بل قد يفتح أيضاً نقاشاً مع واشنطن حول توجه مدريد في شمال إفريقيا.
مبادرة الحكم الذاتي في سياق دولي جديد
ويأتي هذا النقاش في وقت شهدت فيه المبادرة المغربية للحكم الذاتي زخماً دولياً متزايداً، مع انتقال عدد من الدول، خصوصاً في أوروبا والعالم الغربي، إلى مواقف أكثر دعماً أو إيجابية تجاه المقترح المغربي باعتباره أساساً واقعياً لتسوية النزاع.
ومن ثم، فإن العودة إلى سياسة ما قبل 2022 لن تكون مجرد استعادة للموقف الإسباني السابق، بل ستعني اتخاذ قرار في بيئة دولية مختلفة تماماً عن تلك التي كانت قائمة قبل أربع سنوات.
هل يغير فيخو الخطاب أم الاتجاه؟
المؤشرات الحالية توحي بأن النقاش داخل الحزب الشعبي قد يتجه نحو مراجعة الخطاب أكثر من التراجع عن جوهر التحول الاستراتيجي.
ففيخو يحتاج، من موقع المعارضة، إلى إبقاء مسافة سياسية عن سانشيز وانتقاد الطريقة التي اتخذ بها قرار 2022، لكنه في الوقت ذاته يدرك أن العلاقة مع المغرب أصبحت مرتبطة مباشرة بعدد من المصالح الحيوية لإسبانيا.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان حزب الشعب سينتقد سياسة سانشيز، وإنما إلى أي مدى سيكون مستعداً للذهاب في حال قرر مراجعتها من موقع الحكم.
وتكشف تجربة راخوي أن الانتقال من المعارضة إلى الحكومة قد يعيد ترتيب الأولويات. وفي ملف الصحراء تحديداً، سيكون أي قرار جديد أمام معادلة معقدة تضم المغرب والجزائر والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى جانب المصالح الاستراتيجية الإسبانية.
وعليه، يبدو أن فيخو يفضل حالياً إبقاء أوراقه مفتوحة. لكن مع اقتراب انتخابات 2027، سيجد الحزب الشعبي نفسه مضطراً إلى تقديم إجابة أكثر وضوحاً.
فإذا وصل فيخو إلى قصر مونكلوا، فهل سيعيد النظر فعلاً في سياسة سانشيز تجاه الصحراء، أم سيكتفي بإعادة صياغتها مع الحفاظ على جوهر الشراكة الاستراتيجية مع المغرب؟




