في إدارة المواجهة الأخيرة مع إيران، لم يكن الهدف الأميركي مقتصراً على احتواء عودة التصعيد العسكري في توقيت حساس، بل تجاوزه إلى إدارة الإقليم بما يمنع انزلاقه إلى سيناريوهات أكثر تعقيداً؛ بحيث يمرّ موسم الحج بلا اضطرابات، وتبقى أسواق الطاقة تحت السيطرة، وتُمنع المنطقة من الانزلاق إلى فوضى مفتوحة مع اقتراب استحقاق تنظيم “كأس العالم”.
لكن ما كان يجري في العمق تجاوز إدارة التصعيد نفسها، إذ تحركت المواجهة على مستويين متوازيين: تفكيك الجبهات الإقليمية المرتبطة بطهران وعلى رأسها لبنان، ونقل الضغط تدريجياً إلى الداخل الإيراني.
على المستوى الإقليمي، بدا واضحاً أن واشنطن عملت خلال المرحلة الماضية على تفكيك المساحات التي بنت عليها إيران نفوذها في المنطقة. وفي مقدمة ذلك جاء الملف اللبناني، حيث يتحرك مسار سياسي برعاية أميركية يهدف إلى إعادة تشكيل العلاقة بين لبنان وإسرائيل ضمن ترتيبات قد تتوسع لاحقاً نحو إطار إقليمي أوسع.
وبالتوازي، استمر الضغط الأمني والعسكري على حزب الله داخل لبنان، في سياق يسعى تدريجياً لفصل الساحة اللبنانية عن التأثير الإيراني المباشر، وانتزاعها من موقعها التقليدي داخل محور المواجهة الذي اعتمدت عليه طهران لسنوات.
لكن التحول الأهم لم يكن في الإقليم وحده، بل داخل إيران نفسها.
فالحرب التي استهدفت إيران لم تُصمم لإسقاط النظام أو لتكرار النموذج العراقي، بل لإعادة تشكيل البيئة الداخلية للنظام تحت ضغط مركب: أمني، اقتصادي، وسياسي.
ولهذا لم يكن الهدف تدمير الدولة أو دفعها إلى الانهيار الشامل، بل إبقاؤها تحت ضغط مستمر يمنعها من استعادة توازنها الكامل ويدفعها نحو تغيير تدريجي من الداخل.
العقوبات، وتجميد الأموال، والحصار المالي، وملاحقة التدفقات النقدية المرتبطة بإيران، تحولت إلى أدوات استنزاف تستهدف قدرة النظام على إدارة الداخل في لحظة شديدة الحساسية. فإيران تحتاج إلى السيولة ليس فقط لمواجهة الخارج أو إعادة ترميم قدراتها العسكرية، بل أيضاً للحفاظ على تماسكها الداخلي واحتواء واقع اقتصادي واجتماعي معقد.
ومن هنا تحولت مسألة الأموال الإيرانية المجمّدة ورفع العقوبات تدريجياً إلى واحدة من أكثر نقاط الصراع حساسية، لأنها ترتبط مباشرة بقدرة النظام على الاستمرار. وبذلك لم تعد المواجهة تدور فقط حول الملف النووي أو النفوذ الإقليمي، بل باتت مرتبطة بمستقبل التوازن داخل النظام الإيراني نفسه.
السؤال المطروح اليوم داخل إيران لم يعد فقط كيف تُدار المواجهة مع واشنطن أو إسرائيل، بل من يقود مرحلة ما بعد هذه المواجهة؟ ومن يستطيع تقديم نفسه باعتباره عنوان الانتقال من الأزمة إلى الاستقرار؟
هذا ما يفسر جانباً من التوتر في كواليس المفاوضات. فالإدارة الأميركية تتعامل مع المشهد باعتبار أن التنازلات الإيرانية الأساسية أصبحت ممكنة، فيما يحاول النظام الإيراني تقديم أي تنازل داخلياً بوصفه إنجازاً سيادياً يحفظ صورته السياسية ويمنع اهتزازه الداخلي.
وفي قلب هذه المعادلة يتشكل انقسام داخلي واضح: بين تيار يرى في التسوية خسارة استراتيجية وتراجعاً عن المشروع الإقليمي، وتيار آخر يعتبرها مخرجاً ضرورياً لتفادي الانهيار وضمان بقاء النظام وإعادة ترتيب أولوياته.
ولهذا يمكن القول إن المواجهة مع إيران دخلت مرحلتها الأكثر تعقيداً. لم تعد معركة حدود أو جبهات فقط، بل أصبحت معركة داخل البنية السياسية الإيرانية نفسها: حول شكل الدولة، وأولوياتها، وحدود دورها الإقليمي المقبل.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية متعلقاً بما بعد أي اتفاق محتمل: كيف سيتم التعامل مع إيران مستقبلاً؟ وما الضمانات التي يمكن تقديمها لدول الخليج في مواجهة أي تهديدات أو استهدافات إيرانية محتملة؟
هذا الملف ما يزال غائباً عن معظم التسريبات، لكنه سيكون أحد البنود الحاسمة. فالمعادلة المقبلة لن تتوقف عند حدود تسويق السلام الإقليمي أو إعادة ترتيب خرائط التهدئة، بل ستبقى مرتبطة بمدى قدرة أي تسوية على إحداث تغيير فعلي في السلوك والسياسات الإيرانية داخل الإقليم.
وهناك تحديداً ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة: ليس فقط في طهران، بل في شكل التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط كله.




