آراءسياسة
أخر الأخبار

ديمقراطية الرقابة.. وكواليس التواطؤ في الإعلام العبري

إن الصورة الإعلامية الكبرى للدولة العبرية تعتمد على رؤية أحادية من جانب الرقابة العسكرية في صياغة الأخبار وإعادة إنتاجها، والتي تجاوزت بمراحل متقدمة عمليات حظر المعلومات الأمنية..

فايز أبو رزق 

بينما تقدم إسرائيل نفسها إلى العالم باعتبارها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، فإن معطيات الرقابة العسكرية تكشف صرامة أنظمة التحكم بالمحتوى الإعلامي ضمن نسيج معقد من التداخل والتشابك، يتجاوز مفهوم ما يسمى بالحفاظ على الأمن إلى هندسة الوعي وبناء الرواية السياسية الزائفة.

هذه المنظومة الرقابية ليست حديثة ولم تصدر بصورة ديمقراطية عن برلمان ما، إنما تستند إلى “أنظمة الدفاع لحالات الطوارئ لعام 1945″، وهي قوانين استعمارية ورثتها إسرائيل عن الانتداب البريطاني، تطلق يد الرقيب العسكري بلا قيد أو شرط في إغلاق وسائل الإعلام وتقييد عملها ومنع النشر الاستباقي في ظلال سوداوية دون اللجوء لأمر قضائي.

ومع مرور الوقت تحولت الرقابة في إسرائيل إلى شراكة طوعية، وتجسدت في ما يعرف باتفاقية الرقابة التي صدرت عن لجنة المحررين، إذ جمعت رؤساء تحرير المؤسسات الإعلامية الكبرى بمسؤولي المؤسسة العسكرية، بحيث يتم عرض المواد الأمنية على الرقابة مسبقاً مقابل السماح بالعمل الإعلامي، وعلى مدار سنوات عديدة تحول الأمر إلى رقابة ذاتية يمارسها الصحفيون ورؤساء التحرير على ما يتم نشره لتجنب المساءلة أو اتهامات الإساءة للأمن القومي، ليغدو معظمهم نسخا مكررة من الرقيب العسكري.

ويقوم عمل الرقابة العسكرية الإسرائيلية على منظومة من الخطوط الحمراء، يتم تبليغ وسائل الإعلام عنها بشكل دوري تحدث بحسب ظروف الأمن القومي، وأهم ما يحظر نشره دون الرجوع للرقابة: تحركات وحدات الجيش، والخطط الميدانية، ونتائج العمليات العسكرية قبل إعلانها، وأماكن سقوط الصواريخ ورصد أضرارها، وبرنامج إسرائيل النووي، والعمليات الحساسة مثل الأسرى وصفقات التبادل، والأنشطة الاستخبارية بكل أشكالها.

تلك الخطوط الحمراء ليست لمنع النشر فقط، بل جرى توجيهها وتوظيفها لغايات معينة مثل التستر على الجرائم، ويبرز هنا نموذج قضية “الباص 300” عام 1984، عندما أقدم الأمن الإسرائيلي على تصفية فدائيين فلسطينيين ميدانيا بعد اعتقالهما أحياء.

وعندما نشرت صحيفة “حدشوت” صورة من مكان الحادثة تؤكد عملية الإعدام الميداني، أصدر الرقيب العسكري أمرا بإغلاقها لمدة ثلاثة أيام متتالية وملاحقتها قضائيا حتى انتهى الأمر بعد عدة سنوات بإغلاقها نهائيا في انتقام واضح منها وتحذير لمن يجرؤ على السير بنهجها.

تتباين العلاقة بين وسائل الإعلام والرقابة، فمن الولاء الكامل والتبعية للمنظومة الأمنية، إلى قفزات بسيطة لتجاوزها، وكانت هناك دعوى قدمت للمحكمة العليا الإسرائيلية عام 1989 للحد من تغول الصلاحيات المطلقة للرقابة على الإعلام (قضية صحيفة المدينة)، لكنها باءت بالفشل أمام مبررات الأجهزة الأمنية الدائمة في وجوب ضبط كل ما يشكل خطرا استراتيجيا على مزاعم الرواية الرسمية.

ونتيجة لهذه القيود الرقابية المتشددة، لجأ بعض الصحفيين ممن يغردون خارج السرب إلى التعامل مع وسائل إعلام دولية من خلال نشر الأخبار الممنوعة في وسائل إعلام خارج الدولة العبرية، ثم إعادة نشرها في وسائل الإعلام الإسرائيلي استنادا على قاعدة أن المصدر أجنبي وليس إسرائيليا، “وعلى هذا النمط يعمل أحيانا الصحفي باراك رافيد” حيث تنشر بعض المعلومات السياسية أو الأمنية عبر وسائل إعلام أجنبية، ثم يعاد تداولها داخل الإعلام العبري تحت توصيفات مثل “نقلا عن مصدر أجنبي”.

وهذا النشر يتيح الالتفاف على الحظر الشكلي دون خرقه رسميا، ما لم يمس النشر بالأمن القومي.

ومسار النشر هذا يؤكد أن وسائل الإعلام الإسرائيلي ليست كتلة واحدة صلبة، وإنما سلسلة معقدة من العلاقات المتشابكة بين الرقابة الرسمية والمنظومات الإعلامية داخل وخارج الدولة العبرية.

ولا بد أن نشير إلى قضية هامة في الرقابة التي تمارسها المنظومة الأمنية، حيث أنها يمكن أن تمتد لسنوات طويلة دون كشف الحقائق وإفشاء الأسرار، ومنع الوصول إلى الوثائق التاريخية في أرشيف الدولة.

وقد ظهرت بعض القضايا بتفسيرات أخرى بعد فترة زمنية، وفي هذا الإطار تندرج ضمنها قضايا مثل ملف الجندي الإسرائيلي “باراك شرعبي” الذي ظل محظور النشر لعقود طويلة قبل أن تتكشف تفاصيله مغايرة لرواية الرقابة العسكرية حول ظروف مقتله.

وكذلك قضية قتل وحرق نحو ثمانين جنديا من قوات الصاعقة المصرية في منطقة اللطرون عام 1967. بقيت أسرار هذه القضية طي الكتمان لعقود، حيث سمح بنشر تفاصيلها للجمهور في عام 2022 بعد مطالبات صحفية لرفع السرية عن الحادثة.

بينما لا يزال هناك الكثير والكثير من القضايا التي تحمل علامات استفهام حول حقيقة ما حدث، وربما ما جرى في غزة منذ السابع من أكتوبر، سيتم الكشف عنه بعد خمسين عاما، عندما لا يكون هناك مجال للاتهام أو المحاكمة لأحد بفعل التقادم أو موت المجرمين.

وفي موضوع غزة، يتعدى دور وسائط الرقابة من الحذف الكلي أو الجزئي إلى مجال أوسع في تزييف الوقائع وتزوير الحقائق. ومن خلال بيانات صدرت عن منظمات إسرائيلية تعنى بحرية الصحافة والنشر، قامت الرقابة في عام 2024 بمنع نشر 1,635 مادة صحفية بشكل كامل، وحذفت أجزاء من 6,265 مادة أخرى، وهذا مستوى عال يصل إلى 21 حالة تدخل يومية من المنظومة الأمنية في التعامل مع الأخبار المذاعة في وسائل الإعلام، مع المحافظة على عدم اطلاع الجمهور الإسرائيلي على أن المادة الإعلامية تعرضت للتعديل أو التبديل، ويشكل ذلك مسارا خطيرا في مصداقية ما يقدم للجمهور، حيث يظل السؤال الغامض بلا إجابة: “ما الذي تم حجبه؟”

وتشير معطيات نشرت في موقع “العين السابعة” الإسرائيلي إلى أن الرقابة في الأسابيع الأولى من الحرب على غزة رصدت آلاف المواد التي كان يفترض عرضها عليها ولم تُعرض، فيما تواجد ممثلو الرقابة في الجلوس مع الصحفيين والمحللين في غرف الأخبار والاستوديوهات لضبط التغطية الإعلامية وتوجيهها، بالإضافة إلى منع المراسلين الأجانب من دخول القطاع، لضمان عزل الساحة بالصورة الشمولية، وبناء ركائز لرواية إسرائيلية مغايرة للواقع تساهم في تدجين الجمهور ودفعه إلى الإنسياق خلف المنظومة الأمنية والسياسية.

إن الصورة الإعلامية الكبرى للدولة العبرية تعتمد على رؤية أحادية من جانب الرقابة العسكرية في صياغة الأخبار وإعادة إنتاجها، والتي تجاوزت بمراحل متقدمة عمليات حظر المعلومات الأمنية، حيث إنها أضحت تساهم في بنية الرواية الإسرائيلية القائمة على صياغة ما يمكن الحديث عنه وما لا يمكن الهمس به.

وفي النهاية، فإن أثر الاختلالات البنيوية في تشكيل خطاب إعلامي ينعكس سلبا على ما يقدم للمتلقي في إسرائيل أو خارجها، ويبقي القضية الفلسطينية رهينة سردية تبرر الإقصاء وتتجاهل حق الآخر في الوجود والحياة.

* كاتب وصحفي من غزة

https://anbaaexpress.ma/nv7a9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى