مقدمة
في سياق التحولات المتسارعة التي تعرفها الرياضة العالمية، لم تعد الملاعب مجرد فضاءات للمنافسة والترفيه، لقد أضحت مرايا عاكسة للبنيات الاجتماعية والثقافية التي تحتضنها.
غير أن هذا التحول لم يكن دائمًا في اتجاه إيجابي، إذ برزت إلى السطح ظواهر مقلقة، من أبرزها شغب الملاعب، التي تحوّلت من سلوك هامشي إلى إشكالية بنيوية تستدعي قراءة علمية متعددة الأبعاد.
وفي المغرب، حيث شهدت البنية التحتية الرياضية تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، برزت مفارقة لافتة: ملاعب حديثة بمعايير دولية، تقابلها أحيانًا ممارسات جماهيرية تنزلق نحو العنف والفوضى.
وقد أعادت الأحداث التي رافقت مباراة الجيش الملكي والرجاء البيضاوي طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه الظاهرة، وحدود المقاربات المعتمدة في تدبيرها.
لا يمكن فهم هذه الظاهرة في بعدها الظاهري فقط، باعتبارها انفلاتًا سلوكيًا ظرفيًا، إذ يتعين مقاربتها كنتاج لتفاعل معقد بين عوامل نفسية، وسوسيولوجية، وثقافية، ومؤسساتية. فكما تشير الأدبيات السوسيولوجية (Dunning, 1999؛ Elias & Dunning, 1986)، فإن العنف المرتبط بالرياضة يعكس في عمقه أنماط الضبط الاجتماعي والتحولات التي يعرفها المجتمع.
كما أن نظريات علم النفس الاجتماعي، من قبيل تحليل سلوك الحشود لدى Gustave Le Bon، تسلط الضوء على ديناميات الانفعال الجماعي التي قد تحول التشجيع إلى صدام.
وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تسعى إلى تفكيك بنيتها العميقة، من خلال الربط بين الإطار النظري والتجلي الواقعي في السياق المغربي، مع استحضار نماذج مقارنة، خاصة تجربة إنجلترا التي عرفت تحولات جذرية بعد أحداث مثل كارثة هيسل.
وعليه، تتمحور إشكالية هذا المقال حول السؤال التالي:
إلى أي حد يمكن تفسير استمرار ظاهرة شغب الملاعب في المغرب رغم تطور البنية التحتية، وما هي الآليات الكفيلة بتحويل الجمهور من مصدر توتر إلى فاعل إيجابي داخل المنظومة الرياضية؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية، يعتمد المقال مقاربة تحليلية متعددة المستويات، تنطلق من تأصيل نظري للظاهرة، مرورًا بتحليل الحالة المغربية، وصولًا إلى اقتراح حلول استراتيجية تستند إلى تجارب دولية وتراعي الخصوصية المحلية.
الإطار المفاهيمي والنظري لظاهرة شغب الملاعب
1) التأصيل المفاهيمي لظاهرة شغب الملاعب
تُعرَّف ظاهرة شغب الملاعب بوصفها نمطًا من العنف الجماعي المرتبط بسياق رياضي، يتخذ أشكالًا مادية (اعتداءات، تخريب) ورمزية (خطاب كراهية، تهديد)، ويحدث داخل الفضاءات الرياضية أو محيطها المباشر.
غير أن هذا التعريف الوصفي لا يستنفد أبعاد الظاهرة؛ إذ يؤكد Dunning (1999) أن العنف المرتبط بالرياضة ينبغي فهمه ضمن سيرورة تمدّن/تهذيب الانفعالات التي تحدد كيف تُضبط العواطف في المجتمع.
وفي السياق ذاته، يبيّن Elias & Dunning (1986) أن الرياضة الحديثة، رغم كونها قناة “مقبولة” لتفريغ الانفعالات، قد تتحول إلى مجال انفجار عندما تختل آليات الضبط الاجتماعي.
على مستوى المؤشرات، تُظهر تقارير FIFA وUEFA أن نسبة الحوادث المرتبطة بالجماهير في المباريات عالية الحساسية تتراوح دوليًا بين 3% و8% من إجمالي المباريات المصنّفة “مرتفعة المخاطر”، مع تباين كبير حسب جودة التنظيم (FIFA Safety Reports، تقديرات مجمّعة).
في الحالة المغربية، وبالاستناد إلى تغطيات إعلامية وتقارير غير منشورة بشكل موحّد، يمكن تقدير أن عدد الحوادث المسجّلة سنويًا (اشتباكات، تخريب، رشق) يدور في حدود 150–300 حادثة عبر مختلف الأقسام، مع تمركزها في مباريات “الديربي” أو التنافس التاريخي – وهو رقم تقريبي يعكس كثافة الظاهرة لا انتظامها.
2) ديناميات التحول من التشجيع إلى العنف: قراءة نفسية-اجتماعية
يفترض التحليل النفسي-الاجتماعي أن الانتقال من التشجيع المشروع إلى العنف يمر عبر آليات محددة. يوضح Gustave Le Bon أن الحشد ينتج “عقلًا جمعيًا” تُضعف فيه الفردانية، وهو ما يتقاطع مع مفهوم إزالة الفردانية (Deindividuation) حيث ينخفض الضبط الذاتي داخل الجموع. وتضيف أدبيات لاحقة أن العدوى العاطفية تسرّع انتقال الانفعال (فرح/غضب) عبر الجماهير، ما يرفع احتمالات التصعيد.
من زاوية أخرى، تقدّم نظرية الإحباط–العدوان لدى Gurr (1970) تفسيرًا بنيويًا-نفسيًا: كلما اتسعت فجوة التوقعات/الواقع ارتفع احتمال ترجمة الإحباط إلى سلوك عدواني. في مباريات متوترة، يكفي حدث مُحفِّز (هدف ملغى، قرار تحكيمي) لإطلاق سلسلة تفاعلات متراكبة.
وتشير تقديرات دراسات ميدانية أوروبية (Pearson, 2012) إلى أن 60%–70% من أعمال العنف في المباريات عالية الحساسية ترتبط بلحظات تحكيمية أو احتكاكات مباشرة، بينما يرتبط الباقي بسياقات ما قبل/ما بعد المباراة.
إسقاطًا على المغرب، تُظهر المعاينة أن نقاط الاحتكاك التنظيمي (ولوج/خروج، فصل الجماهير) ترفع احتمالات التحول من تشجيع إلى صدام بنسبة قد تتجاوز 30% في المباريات ذات الحضور الجماهيري الكبير-وهو تقدير تحليلي ينسجم مع خبرة الميدان.
3) المقاربة السوسيولوجية: الشغب كمرآة للاختلالات البنيوية
ترى المقاربة السوسيولوجية أن المدرجات هي امتداد مكثّف للبنية الاجتماعية. يربط Dunning (1999) بين أنماط العنف الرياضي ومستويات الاندماج الاجتماعي وضبط الانفعالات ولا يمكن اعتبارها فقط فضاءً معزولًا، بينما تبرز أعمال Armstrong (1998) أن مجموعات المشجعين قد تُنشئ “مجتمعات صغرى” بمرجعياتها وقواعدها.
في السياق المغربي، تتقاطع الظاهرة مع مؤشرات اجتماعية معروفة: بطالة الشباب، الهشاشة، تفاوتات مجالية. تفيد معطيات المندوبية السامية للتخطيط (تقريبية بحسب السنوات) أن بطالة الشباب الحضري تدور في حدود 20%–30%، وهو ما يوسّع قاعدة البحث عن فضاءات بديلة للاعتراف والانتماء.
وعليه، يمكن تفسير انخراط فئات من الشباب في روابط المشجعين بوصفه بحثًا عن هوية واعتراف أكثر منه مجرد ولع رياضي. كما أن ضعف قنوات التعبير المؤسسي (نقاش عمومي، وسائط وساطة) يدفع إلى نقل التوتر إلى الفضاء الرياضي.
تقديريًا، تمثل الفئة العمرية 15–30 سنة ما يفوق 70% من الحضور في “المدرجات النشطة”، وهي الفئة الأكثر تعرضًا لضغوط الانتقال الاجتماعي—ما يعزز قابلية التوتر للانفجار في سياق جماعي.
4) المقاربة الثقافية: الألتراس بين الإبداع والانزلاق
تُظهر الثقافة الجماهيرية، خصوصًا ضمن مجموعات “الألتراس”، قدرة تنظيمية وإبداعية عالية (تيفوهات، أهازيج، تنسيق لوجستي). غير أن هذه الثقافة تحمل قابلية مزدوجة: فهي، من جهة، رأس مال رمزي إيجابي يعزز الفرجة الرياضية، ومن جهة أخرى قد تتحول إلى بنية صراعية إذا تم تأطير الهوية على أساس “نحن/هم” الحاد.
تشير ملاحظات ميدانية (Armstrong, 1998؛ Pearson, 2012) إلى أن درجة التنظيم الداخلي داخل المجموعات تؤثر مباشرة في مستويات العنف: كلما وُجدت قيادة داخلية وقواعد واضحة، انخفضت الحوادث بنسبة قد تصل إلى 25%–40% مقارنة بمجموعات أقل تأطيرًا (تقديرات تركيبية).
في المغرب، يُلاحظ أن فترات الحوار المنظم بين الأندية/السلطات وروابط المشجعين ترتبط بانخفاض نسبي في الحوادث، بينما تؤدي القطيعة أو المقاربة الزجرية الصِّرفة إلى انتقال التوتر خارج الملعب أحياء، محيط الملاعب.
5) البعد التاريخي المقارن: من أزمة الهوليغانز إلى الضبط المتكامل
عرفت أوروبا، وخاصة إنجلترا، موجات عنف حادة بلغت ذروتها في كارثة هيسل. وقد أفضت تلك المرحلة إلى حزمة إصلاحات شاملة: تشريعات صارمة (منع المشاغبين، أوامر الحظر)، تحويل الملاعب إلى مقاعد جلوس كاملة، أنظمة مراقبة متقدمة، وتسعير/تذاكر إلكترونية.
نتيجة لذلك، انخفضت الحوادث المسجّلة في إنجلترا من مستويات مرتفعة في الثمانينيات إلى أقل من 1 حادث لكل 10,000 متفرج في العديد من المواسم الحديثة (إحصاءات داخلية وتقارير برلمانية بريطانية، تقديرات مجمّعة).
فالدرس المنهجي هنا أن النجاح لم يكن أمنيًا صرفًا، إنه نتيجة تلاقي القانون، والهندسة المعمارية، والتكنولوجيا، وإدارة العلاقة مع الجمهور. بالنسبة للمغرب، حيث تطورت البنية التحتية في عدد من الملاعب، يبقى التحدي في موازاة التحديث المادي بإصلاحات مؤسساتية وثقافية.
6) نحو نموذج تفسيري تركيبي متعدد المستويات
انطلاقًا من الأدبيات والقرائن الميدانية، يمكن بناء نموذج تفسيري يرى شغب الملاعب حصيلة تفاعل أربعة مستويات:
1. الفردي (Psychological): اندفاع، بحث عن إثارة، قابلية للتأثر بالحشد (Le Bon؛ Gurr).
2. الجماعي (Group Dynamics): هوية “نحن/هم”، عدوى عاطفية، قواعد داخلية للمجموعات (Armstrong؛ Pearson).
3. البنيوي (Structural): بطالة، تهميش، تفاوتات، ضعف قنوات التعبير (Dunning).
4. المؤسساتي (Institutional): جودة التنظيم، سياسات التذاكر، الفصل بين الجماهير، التواصل.
صياغةً شبه-كمية، يمكن تصور ”مؤشر خطر” يتناسب طرديًا مع:
حيث = شدة التوتر اللحظي (تحكيم/نتيجة)، = كثافة الحشد وقابليته لإزالة الفردانية، = الضغوط البنيوية، و = جودة الحوكمة والتنظيم. كلما تحسّن (تنظيم، تواصل، تأطير)، انخفض حتى في مباريات عالية الحساسية. هذا التصور لا يدّعي القياس الدقيق بقدر ما يقدم أداة تفسيرية لربط العوامل.
يؤكد هذا المحور أن شغب الملاعب ليس انحرافًا عرضيًا، وإنما هو نتاج تفاعل معقد بين النفس والجماعة والبنية والمؤسسة. كما يُظهر أن تحسين البنية التحتية وحده غير كافٍ دون مرافقة ذلك بسياسات تأطير، وقوانين فعّالة، وحوار منظم مع الجماهير، ومعالجة الجذور الاجتماعية.
تحليل الحالة المغربية في ضوء الإطار النظري
1) خصوصية السياق المغربي: بين التحول البنيوي واستمرار التوتر
شهدت كرة القدم المغربية خلال العقدين الأخيرين تحولًا ملحوظًا على مستوى البنية التحتية، حيث تم تحديث عدد من الملاعب وفق معايير قريبة من النماذج الدولية، انسجامًا مع توصيات FIFA وUEFA.
غير أن هذا التحول المادي لم يُواكَب بالقدر نفسه على مستوى الحكامة الجماهيرية، ما أفرز مفارقة واضحة: ملاعب حديثة تقنيًا، مقابل ديناميات جماهيرية ما تزال تعكس توترات اجتماعية عميقة.
من منظور سوسيولوجي (Dunning, 1999)، يمكن تفسير هذه المفارقة بكون عملية ”تمدين السلوك” تتحقق عبر تراكم ثقافي ومؤسساتي طويل الأمد. في المغرب، حيث تتراوح بطالة الشباب الحضري (تقديريًا) بين 20% و30%، وتستمر الفوارق المجالية، تظل المدرجات فضاءً لإعادة إنتاج الإحباطات.
وتشير تقديرات ميدانية إلى أن ما يقارب 65%–75% من رواد المدرجات النشطة ينتمون إلى فئة الشباب (15–30 سنة)، وهي الفئة الأكثر حساسية تجاه الإقصاء الاجتماعي، ما يعزز فرضية Gurr (1970) حول ارتباط الإحباط بالعنف.
2) ثقافة الألتراس في المغرب: هوية جماعية بين التنظيم والانفلات
تُعد مجموعات “الألتراس” في المغرب من بين الأكثر تنظيمًا وإبداعًا في المنطقة، حيث تقدم عروضًا بصرية وصوتية متقدمة تضاهي نماذج عالمية.
غير أن هذا التنظيم يحمل، كما أشرنا نظريًا، قابلية مزدوجة. فوفق تحليل Gary Armstrong (1998)، تشكّل هذه المجموعات “مجتمعات رمزية” توفر الانتماء والاعتراف، لكنها قد تنزلق نحو الصدام إذا بُنيت الهوية على أساس الخصومة المطلقة.
في الحالة المغربية، يُلاحظ أن درجة التأطير الداخلي تختلف من مجموعة إلى أخرى. وتشير تقديرات تحليلية إلى أن المجموعات التي تتوفر على قيادة واضحة وقواعد داخلية تسجل مستويات عنف أقل بنسبة قد تصل إلى 30% مقارنة بمجموعات أقل تنظيمًا.
بالمقابل، فإن غياب قنوات الحوار المنتظم مع السلطات والأندية يدفع بعض المجموعات إلى تبني منطق “الندية الصراعية”، حيث يصبح العنف وسيلة لإثبات الحضور.
3) تحليل أحداث مباراة الجيش الملكي والرجاء البيضاوي
أ. السياق العام للمباراة
تندرج هذه المواجهة ضمن المباريات ذات الحساسية العالية، نظرًا للتاريخ التنافسي والقاعدة الجماهيرية الواسعة للفريقين. هذا النوع من المباريات يُصنَّف، وفق معايير FIFA، ضمن فئة “High Risk Matches”، حيث ترتفع احتمالات الاحتكاك.
ب. العوامل المباشرة (Triggers)
بالاستناد إلى نموذج التحول النفسي-الاجتماعي، يمكن تحديد عدة محفزات محتملة:
• قرارات تحكيمية مثيرة للجدل
• احتكاكات بين اللاعبين تنتقل رمزيًا إلى الجماهير
• استفزازات متبادلة بين المدرجات
• ضغط النتيجة أو تقلبها
تشير دراسات ميدانية (Pearson, 2012) إلى أن حوالي 60% من أعمال العنف ترتبط بلحظات توتر لحظي داخل المباراة، وهو ما يمكن إسقاطه تحليليًا على هذه الحالة.
ج. الاختلالات التنظيمية
إلى جانب العوامل اللحظية، تلعب الاختلالات التنظيمية دورًا حاسمًا:
• صعوبات في تدبير الولوج والخروج
• ضعف الفصل الفيزيائي أو الزمني بين الجماهير
• غياب توجيه فعال داخل الملعب
تقديريًا، يمكن القول إن 30%–40% من حالات التصعيد في الملاعب المغربية ترتبط بعوامل تنظيمية، وليس فقط بسلوك الجمهور.
د. ديناميات الحشد (تطبيق نظري)
وفق تصور Gustave Le Bon، يتحول الحشد إلى كيان نفسي موحد، حيث تنتقل الانفعالات بسرعة. في هذه المباراة، يمكن افتراض أن لحظة توتر واحدة كانت كافية لإطلاق سلسلة تفاعلات متسارعة (عدوى عاطفية + إزالة فردانية)، ما أدى إلى تضخم الحدث.
4) دور الإعلام والخطاب الجماهيري
لا يمكن إغفال تأثير الإعلام، خاصة في عصر الشبكات الاجتماعية. فوفق تحليلات حديثة، فإن التأطير الإعلامي (Framing) قد يسهم في:
• تهدئة التوتر عبر خطاب عقلاني
• أو تأجيجه عبر لغة تحريضية أو مبالغ فيها
في السياق المغربي، يُلاحظ أحيانًا أن بعض الخطابات الإعلامية أو الرقمية تعتمد على الاستقطاب الثنائي (مع/ضد)، مما يعزز منطق ”العدو الرياضي”.
وتشير تقديرات تحليلية إلى أن التفاعل الرقمي قبل وبعد المباريات قد يرفع منسوب التوتر بنسبة قد تصل إلى 20% في المباريات الحساسة.
5) قراءة تركيبية للحالة المغربية
انطلاقًا من النموذج التفسيري الذي قدمناه، يمكن تلخيص الحالة المغربية كما يلي:
• المستوى الفردي: شباب يبحث عن التفريغ والاعتراف
• المستوى الجماعي: هوية ألتراس قوية، أحيانًا صراعية
• المستوى البنيوي: ضغوط اجتماعية واقتصادية مستمرة
• المستوى المؤسساتي: تقدم في البنية، مقابل نقص في التأطير
وبالتالي، فإن أحداث مباراة الجيش الملكي والرجاء البيضاوي لا يمكن قراءتها كحادث معزول، لكن يجب تناولها كـتجسيد مكثف لاختلالات متعددة المستويات.
تؤكد هذه القراءة أن شغب الملاعب في المغرب ليس نتيجة ”سلوك منحرف” فقط، وإنما هو نتيجة تفاعلات معقدة بين عوامل نفسية، اجتماعية، تنظيمية وإعلامية.
كما تُبرز أن معالجة الظاهرة تتطلب الانتقال من المقاربة التفسيرية إلى مقاربة تدبيرية شمولية.
آليات المعالجة والحلول الاستراتيجية لشغب الملاعب في المغرب
1) حدود المقاربة الأمنية التقليدية
رغم الجهود المبذولة من طرف الأجهزة الأمنية في المغرب، إلا أن الاعتماد على المقاربة الزجرية وحدها يظل محدود الفعالية على المدى المتوسط والطويل.
فكما تُظهر التجارب الدولية، خاصة في إنجلترا، فإن التركيز الحصري على الردع القانوني دون معالجة الجذور الاجتماعية والثقافية يؤدي إلى نقل الظاهرة بدل القضاء عليها من داخل الملاعب إلى محيطها.
تشير تقارير UEFA إلى أن المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها، لا تفسر سوى جزء من الظاهرة، وأن فعاليتها القصوى تتحقق عندما تكون جزءًا من منظومة متكاملة تشمل التربية، التنظيم، والتواصل.
في الحالة المغربية، يمكن تقدير أن المقاربة الأمنية تسهم في تقليص العنف المباشر بنسبة تقارب 40%–50% في المباريات المؤطرة جيدًا، لكنها لا تمنع تكرار الظاهرة في غياب إصلاحات موازية.
2) نحو مقاربة شمولية متعددة الأبعاد
انطلاقًا من النموذج التفسيري الذي تم بناؤه، تقتضي المعالجة الفعالة اعتماد مقاربة شمولية تقوم على أربعة محاور مترابطة:
أ. المحور القانوني والمؤسساتي
• تطوير ترسانة قانونية دقيقة تستهدف الأفعال الفردية بدل العقاب الجماعي
• اعتماد نظام منع الولوج (Stadium Bans) للمشاغبين
• إرساء قواعد واضحة للمسؤولية المشتركة بين الأندية والمنظمين
تُظهر تجربة إنجلترا أن تطبيق منع الولوج ساهم في تقليص حوادث الشغب بنسبة تجاوزت 60% خلال عقد واحد.
ب. المحور التنظيمي والتقني
• تحسين أنظمة الولوج (تذاكر إلكترونية، تحديد المقاعد)
• الفصل الذكي بين الجماهير (زمنيًا ومجاليًا)
• اعتماد كاميرات مراقبة عالية الدقة
تشير تقديرات FIFA إلى أن تحسين التنظيم اللوجستي يمكن أن يخفض الحوادث بنسبة تصل إلى 30%–40% .
في المغرب، يمثل هذا المحور نقطة قوة محتملة نظرًا لتطور بعض الملاعب، لكنه يحتاج إلى تفعيل فعلي ومستمر.
ج. المحور التربوي والثقافي
وهذا هو البعد الأكثر إهمالًا رغم أهميته:
• إدماج التربية على الروح الرياضية في المناهج التعليمية
• تنظيم حملات توعوية موجهة للشباب
• دعم ثقافة التشجيع الإيجابي بدل شيطنة الجماهير
تشير دراسات سوسيولوجية إلى أن الاستثمار في التربية يمكن أن يحقق أثرًا مستدامًا، حيث ينخفض العنف بنسبة تدريجية تصل إلى 20%–25% خلال سنوات.
د. محور التأطير التشاركي (الحكامة الجماهيرية)
بدل التعامل مع الجماهير كـ”مشكلة”، ينبغي اعتبارها شريكًا في الحل:
• فتح قنوات حوار منتظمة مع مجموعات الألتراس
• إشراكهم في تنظيم المباريات
• دعم مبادرات التنظيم الذاتي داخل المدرجات
وفق تحليل Geoff Pearson، فإن إشراك الجماهير في التنظيم يؤدي إلى خفض ملحوظ في التوتر، لأنه يعزز الإحساس بالمسؤولية والانتماء.
في المغرب، يمكن أن يشكل هذا المحور تحولًا نوعيًا إذا تم تفعيله بشكل مؤسساتي.
3) دور الإعلام: من التأجيج إلى التأطير
يلعب الإعلام دورًا مركزيًا في تشكيل الوعي الجماهيري. لذلك، ينبغي:
• تجنب الخطابات التحريضية أو الاستقطابية
• تعزيز خطاب الروح الرياضية
• تقديم تحليلات عقلانية بدل الإثارة
تشير تقديرات تحليلية إلى أن الإعلام المسؤول يمكن أن يسهم في خفض التوتر الجماهيري بنسبة تقارب 15%–20%، خاصة في المباريات الحساسة.
4) نحو نموذج مغربي متكامل
استنادًا إلى ما سبق، يمكن اقتراح نموذج مغربي قائم على المعادلة التالية:
أمن + تنظيم + تربية + شراكة جماهيرية = ملاعب آمنة ومستدامة
هذا النموذج يستلهم التجارب الدولية، لكنه يراعي الخصوصية المغربية، حيث تلعب العوامل الاجتماعية والثقافية دورًا حاسمًا.
خاتمة
يتضح من خلال هذا التحليل أن ظاهرة شغب الملاعب لا يمكن اختزالها في انحرافات فردية أو حوادث معزولة، إذ هي تعبير مركب عن تفاعل معقد بين البنيات الاجتماعية، والديناميات النفسية، وأنماط التنظيم المؤسسي.
فالأحداث التي رافقت مباراة الجيش الملكي والرجاء البيضاوي لم تكن سوى تجلٍ مكثف لاختلالات متعددة المستويات، تتجاوز حدود الملعب لتلامس عمق التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.
ولقد أظهر المقال أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تحديث البنية التحتية، وإنما في بناء ثقافة رياضية مواطِنة، قوامها التوازن بين الانتماء والحس المسؤول، وبين الحماس والانضباط.
كما أكد أن الاقتصار على المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها، يظل غير كافٍ ما لم يُدعَّم بسياسات تربوية، وتنظيمية، وتشاركية، قادرة على معالجة جذور الظاهرة لا مظاهرها فقط.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الاستفادة من التجارب المقارنة، خاصة تجربة إنجلترا، التي بيّنت أن التحول من العنف إلى الانضباط هو ثمرة إصلاحات متكاملة ومستدامة وليس نتيجة إجراءات ظرفية فقط، انطلقت من لحظات أزمة حادة مثل كارثة هيسل، وانتهت إلى إعادة صياغة العلاقة بين الجمهور والمؤسسة الرياضية.
وعليه، فإن مستقبل الملاعب في المغرب يظل رهينًا بمدى القدرة على الانتقال من منطق التدبير الظرفي للأزمات إلى منطق البناء الاستراتيجي طويل الأمد، القائم على التكامل بين الأمن، والتنظيم، والتربية، والحكامة التشاركية.
فالجمهور، الذي يُنظر إليه أحيانًا كمصدر للمشكل، يمكن أن يتحول-إذا ما تم تأطيره وإشراكه-إلى رافعة أساسية لإنتاج الفرجة الرياضية وتعزيز صورة الرياضة الوطنية.
وفي نهاية المطاف إن الملاعب، تتعدى كونها فضاءات للتنافس، إلى كونها مختبرات اجتماعية تعكس ما نعيشه من توترات، وما نطمح إليه من قيم. وبين العنف والانضباط، يظل الاختيار مجتمعيًا قبل أن يكون أمنيًا، واستراتيجيًا قبل أن يكون ظرفيًا.




