آراءثقافة
أخر الأخبار

معركة ذات السلاسل..

هذا! سميت بذات السلاسل، لأن هرمز أمر رجاله بتقييد أرجلهم بالسلاسل، ليثبتوا في الحرب ولا يفروا إذا احتدم القتال، ولا يخفى حيثيات مجريات الأحداث هنا مما ذكره أهل الكتب التاريخية كالبيهقي وابن كثير والطبري وغيرهم..

وتعرف بالكاظمية، وهي موضع ناحية دولة الكويت الآن، وللشيعة رأي آخر في حيثيات المعركة، إذ يرونها كانت بقيادة علي بن أبي طالب، وهذا بعيد عند مقارنة الأحداث مع بعضها البعض، فلتراجع في مكانها حيث كانت.

كانت في السنة الثانية عشر من الإخراج النبوي (12 خ)، الموافق لسنة 635 م، بقيادة خالد بن الوليد ضد هرمز قائد جيش إمبراطورية الفرس للدولة الساسانية، وقد هزم فيها ومُنِيَ بهزيمة ساحقة بعدد ثلاثمائة فارس كانوا بيد خالد بن الوليد، مع مدد رجال المثنى بن حارثة الشيباني جهة البحرين، حينما طلب من الخليفة الراشد أبي بكر الصديق المدد، وكان معه مئتين فارس، فصاروا خمسمائة فارس، وقيل غير ذلك من العدد الفوارس، راجع ابن الأثير، “الكامل في التاريخ”.

الغرض من المعركة في محاولة لتوسيع الرقعة الإسلامية أو الإمبراطورية الإسلامية العربية أو دولة الإسلام بالمدينة، في عهد الخليفة الراشد أبي بكر الصديق، بعد انتقال النبي عليه السلام للرفيق الأعلى في السنة العاشرة من الإخراج النبوي (10 خ)، الموافق لسنة 634 م، وكانت المعركة بعد أن فرغ خالد بن الوليد من قتال أهل البحرين واليمامة، وقتله لمسيلمة الكذَّاب، ولنا عودة في هذا الموضع من بأس أهل البحرين في عهد القرامطة الذين نزعوا الحجر الأسود من الكعبة المشرفة، وذهبوا به إلى بلادهم لمدة تصل إلى واحد وعشرين سنة، راجع سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي.

يشار هنا إلى خطأ ما يعرف بحروب الردة، دون الخوض في التفاصيل، إذ في مجملها للقرار السياسي التوسع الجغرافي في ضم البلاد الواقعة بحدود الجزيرة العربية تحت قبضة الخليفة الصديق، ثم التوسع في البلاد من ناحية آسيا وأفريقيا وأوروبا، حتى بلاد الأندلس في القرن التاسع الإخراجي كما هو معروف ومدها، بالعامل الاقتصادي لبناءها وتقوية شوكتها وما إلى ذلك.

هذا! سميت بذات السلاسل، لأن هرمز أمر رجاله بتقييد أرجلهم بالسلاسل، ليثبتوا في الحرب ولا يفروا إذا احتدم القتال، ولا يخفى حيثيات مجريات الأحداث هنا مما ذكره أهل الكتب التاريخية كالبيهقي وابن كثير والطبري وغيرهم، من ضمر هرمز نية الغدر بخالد بعد الترجل من الدواب، إلا أن القعقاع بن عمرو التميمي فطن لهذا الأمر، وقتل الغادرين، وقتل هرمز، وقتلت جماعته بعد أن ركبوهم ركوباً، وانتصر المسلمون بعد ذلك نصراً كبيراً.

اسم هرمز، يرجع إلى المعنى الاصطلاحي وهو الخليج باللغة الفارسية، أو موضع التمر، أو إله الخير والخصب في اللغات القديمة من “هرموداز” تقريباً، وقيل هي من الممالك القديمة في المنطقة، ولا علاقة للتسمية بهرمز الذي قتله خالد بن الوليد في بعض الروايات، وهو الراجح عندي، والله أعلم أي ذلك كان.

خالد بن الوليد، يمثل الركن الخامس أو البعد الخامس في الإمبراطورية الإسلامية العربية لدولة المدينة في القرن السابع الميلادي، وهو الركن العسكري أو القيادة العسكرية أو القوات المسلحة العربية آنذاك.

الركن الأول هو الخليفة الصديق، ويمثل البعد العقدي الروحاني، وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب يمثل البعد السياسي، وعثمان بن عفان يمثل البعد الاقتصادي، والإمام علي بن أبي طالب يمثل البعد الإداري التنفيذي، وأخيراً خالد بن الوليد الذي يمثل البعد العسكري.

معركة “ذات السلاسل”، بذات الاسم، هي موضع في العراق، معركة حدثت في السنة الثامنة من الإخراج النبوي (8 خ)، الموافق لسنة 632 م، قبل فتح مكة وبعد غزوة تبوك التي قادها كل من جعفر بن أبي طالب، بعد قدومه من أرض الحبشة في ذات السنة، وعبد الله بن رواحة، وخالد بن الوليد، بأشهر قليلة في شهر جمادى الأولى، بقيادة عمرو بن العاص، والتحم فيها بجيش أبي عبيدة عامر بن الجراح، في قصة طويلة ذكرها أهل السير، لكن لم يذكرها صاحب كتاب “تهذيب سيرة بن هشام”، الدكتور عبد السلام هارون المتوفي سنة 1987، بينما ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية، والسيرة النبوية، والبيهقي في أحد كتبه، والواقدي في المغازي، ولا أدري لماذا أسقطها هو ومختصر كتاب ابن الأثير “الكامل في التاريخ”، الدكتور محمد دبوس.

من جانب آخر، الحجاج بن يوسف الثقفي، حينما ولي على العراق، دخل المسجد الأموي، وبعد انتهائه من خطبته التي جاء فيها:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني

البيت لسحيم بن وثيل الرياحي، تمثَّل به، حدثت جلبة في المسجد، فربط ساقه مع فخذه كربطة الإبل بعمامته، ليثبت في المقتلة ولا يفر إذا اشتدت وحمي وطيسها، قالوا: فقتل أكثر من بالمسجد حوالي ألف رجل، حتى بلغ الدم الركب وملأ الطرقات من باب المسجد، وفيها شاهد مقتل قاتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، / وفيه نظر، راجع كتابي “المعارك السياسية في التاريخ الإسلامي – صراع الدين والدولة” لمزيد من التفاصيل / عبد الله بن عمرو بن هبيرة القائل:

هممت وكدت وليتني * تركت على بن عفان تبكي حلائله

فأمر بقتله الحجاج، فضربت عنقه ساعتها، فإذا برأسه يسبقه نحو باب المسجد، وقد بلغ الثمانين من العمر أو عليها يزيد.

ومثل هذه الأمور، كالتقيد بالسلاسل أو العمامة، معروفة عند العرب قديماً استعداداً للحرب أو إذا اشتد وطيسها، وكانوا يلبسون جلود النمور دلالة على البأس والشدة والاستعداد، وما معركة أحد في السنة الثانية من الإخراج النبوي (2 خ)، الموافق لسنة 626 م، ومقتل حمزة بن عبد المطلب، أسد الله، قتله وحشي واسمه عبد الرحمن، ولاكت كبدته هند بنت عتبة، زوجة أبي سفيان صخر بن حرب، ببعيد عن الأذهان، وفيها قالت – أي المعركة -:

ويها بني عبد الدار
ويها حماة الأنصار
ضربا بكل بتار
إن تقبلوا نعانق
ونفرش النمارق
وإن تدبروا نفارق
فراق غير وامق

الشاهد هنا أن معركة “ذات السلاسل” التي خاضها خالد بن الوليد، ليست ذات سمعة كبيرة في أدبيات التاريخ القديم الطويل ولا الحديث من المؤرخين ببلاد العرب ولا العجم، وقليل من يعرفها والله أعلم.

سقت هذه الكلمة بعجالة، وفي النفس منها شيء يحتاج المزيد، فعسى أن أردفها بكلمة إن مد الله في الآجال.

م. بدر الدين العتَّاق
ماسبيرو، الجمعة 27 مارس 2026، صوت العرب من القاهرة، برنامج “صباح الخير يا عرب” مع الأستاذة القديرة نيفين الشيشيني.

https://anbaaexpress.ma/b0fml

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى