الشرق الأوسطسياسة
أخر الأخبار

لبنان خارج الحسابات.. وداخل دائرة الخسائر

ما يفاقم الوضع هو أن التفاهمات الجارية بين القوى الكبرى لا تتضمن، على ما يبدو، معالجة شاملة للوضع اللبناني، بل تركز أساساً على أولويات أخرى، مثل البرنامج النووي الإيراني أو أمن الملاحة في الخليج..

في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبرز لبنان مرة أخرى كأحد أبرز المتضررين من التفاهمات الإقليمية والدولية، رغم أنه ليس طرفاً مباشراً في صياغتها.

فالاتفاق غير المعلن لخفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، والذي يتجسد في هدنة مؤقتة أو إعادة ترتيب أولويات المواجهة، يبدو أنه أعاد توزيع مسار الصراع، لكنه لم يخفف من وطأته على الساحة اللبنانية، بل على العكس، زاد من هشاشتها.

الهدنة، في جوهرها، لا تعني نهاية التوتر، بل تعكس مرحلة انتقالية تسعى فيها الأطراف الكبرى إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة، مع الحفاظ على أوراق الضغط المتاحة.

وفي هذا السياق، تبدو الجبهة اللبنانية واحدة من أبرز هذه الأوراق، حيث تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية بوتيرة مرتفعة، في وقت يتم فيه تجميد أو تقليص التصعيد في جبهات أخرى أكثر حساسية بالنسبة للأطراف الدولية.

هذا التباين في إدارة الصراع يعكس مقاربة براغماتية تقوم على احتواء التوتر في مناطق معينة، مقابل السماح باستمراره في مناطق أخرى أقل كلفة سياسياً. ولبنان، بحكم موقعه الجيوسياسي وتركيبته الداخلية الهشة، يقع في صلب هذه المعادلة، حيث يتحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات غير المباشرة، دون أن يمتلك القدرة على التأثير في مسارها.

من جهة أخرى، يبرز البعد المرتبط بحزب الله كعامل أساسي في تفسير استمرار الضغط على لبنان. فالحزب، بوصفه أحد أبرز حلفاء إيران في المنطقة، يشكل امتداداً لنفوذها الإقليمي، ما يجعله هدفاً دائماً للعمليات الإسرائيلية، خاصة في ظل سعي تل أبيب إلى تقليص قدراته العسكرية ومنع تعاظم نفوذه.

غير أن هذه الاستراتيجية، وإن كانت موجهة ضد طرف محدد، فإن آثارها تتجاوز ذلك لتشمل البنية اللبنانية ككل، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو الاجتماعي.

في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية في موقع المتلقي، عاجزة عن ضبط إيقاع التصعيد أو احتوائه، في ظل انقسامات داخلية عميقة وضعف مؤسساتي مزمن. فالمواقف الرسمية، رغم محاولاتها الدفع نحو حلول دبلوماسية، تظل محدودة التأثير أمام واقع ميداني تتحكم فيه توازنات إقليمية ودولية معقدة.

كما أن الدعوات إلى التهدئة أو التفاوض، وإن كانت تعكس رغبة في الخروج من دائرة الصراع، تصطدم برفض أطراف فاعلة ترى في استمرار المواجهة جزءاً من معادلة الردع.

إضافة إلى ذلك، فإن الكلفة الإنسانية للتصعيد في لبنان تظل مرتفعة، حيث تتزايد أعداد الضحايا والنازحين، وتتعمق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها البلد منذ سنوات.

وفي ظل غياب أفق واضح للحل، يصبح لبنان أمام خطر الانزلاق إلى مزيد من التدهور، خاصة إذا استمرت العمليات العسكرية دون ضوابط أو سقف زمني.

ما يفاقم الوضع هو أن التفاهمات الجارية بين القوى الكبرى لا تتضمن، على ما يبدو، معالجة شاملة للوضع اللبناني، بل تركز أساساً على أولويات أخرى، مثل البرنامج النووي الإيراني أو أمن الملاحة في الخليج.

ونتيجة لذلك، يتم التعامل مع لبنان كملف ثانوي يمكن تأجيله أو إدارته بأدوات أمنية محدودة، دون الانخراط في تسوية سياسية حقيقية تضمن استقراره.

يظهر أن لبنان يدفع ثمن موقعه في معادلة إقليمية معقدة، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى دون أن تأخذ بالضرورة في الاعتبار تداعيات ذلك على الداخل اللبناني.

فالهدنة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بدل أن تشكل فرصة لخفض التصعيد الشامل، تحولت إلى آلية لإعادة توزيع الضغوط، كان لبنان أحد أبرز ضحاياها.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى مستقبل الاستقرار في البلاد رهينا بتطورات لا يملك التحكم فيها، ما يعمق من حالة عدم اليقين التي تطبع المشهد اللبناني.

https://anbaaexpress.ma/hlto4

عبد الحي كريط

باحث وكاتب مغربي، مهتم بالشأن الإسباني، مدير نشر أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى