آراءسياسة
أخر الأخبار

تحوّلات الموقف الأوروبي من الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط.. قراءة تحليلية

تتعدد العوامل التي تفسّر هذا التحول، من أبرزها الإرث السياسي للحروب السابقة، حيث خلّفت تجربتا أفغانستان والعراق حالة من الإرهاق والشكوك داخل المجتمعات الأوروبية..

د. منصور أبو كريم

تُعدّ التحولات في مواقف الدول الأوروبية عامة، وبريطانيا على وجه الخصوص، تجاه الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط من أبرز الظواهر السياسية في المرحلة الراهنة.

فبعد سنوات طويلة من التنسيق الوثيق والانخراط العسكري المشترك، برز في الآونة الأخيرة نمط جديد يتسم بالحذر النسبي والابتعاد عن المشاركة المباشرة، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة التحالفات الغربية ومستقبلها.

على مدى العقدين الماضيين، وخاصة عقب هجمات 11 سبتمبر، شاركت أوروبا، بما في ذلك المملكة المتحدة، بفاعلية في العمليات العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة، كما في الحرب في أفغانستان وحرب العراق 2003، وهو ما عكس آنذاك مستوى عالياً من التماهي الاستراتيجي بين ضفتي الأطلسي.

إلا أن المشهد الحالي يشير إلى تحوّل ملحوظ، حيث تتبنى الدول الأوروبية موقفًا أكثر تحفظًا تجاه الانخراط في النزاعات الجديدة في الشرق الأوسط. ويتجلى ذلك في محدودية الدعم العسكري واللوجستي، مقابل التركيز على المواقف الدبلوماسية والدعوات إلى التهدئة، في ظل غياب رغبة واضحة في الانخراط المباشر.

 ويُلاحظ كذلك أن قادة أوروبيين، مثل كير ستارمر وإيمانويل ماكرون، يتبنون خطابًا حذرًا يعكس محاولة موازنة الالتزامات الدولية مع الضغوط الداخلية، خصوصًا في ظل التأثيرات الاقتصادية والسياسية لهذه الحروب على بلدانهم.

 تتعدد العوامل التي تفسّر هذا التحول، من أبرزها الإرث السياسي للحروب السابقة، حيث خلّفت تجربتا أفغانستان والعراق حالة من الإرهاق والشكوك داخل المجتمعات الأوروبية.

كما أن الحرب الروسية الأوكرانية باتت تمثل أولوية استراتيجية قصوى لأوروبا، نظرًا لقربها الجغرافي وتأثيرها المباشر على الأمن الأوروبي، ما يدفع إلى تركيز الموارد والاهتمام على هذا الملف.

تنعكس هذه التحولات على جملة من الملفات الاستراتيجية الأخرى، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا، ودور حلف شمال الأطلسي، إضافة إلى طبيعة العلاقات الاقتصادية بين أوروبا والولايات المتحدة.

فعلى صعيد الحرب في أوكرانيا، يُسهم تقليل الانخراط الأوروبي في نزاعات الشرق الأوسط في إعادة توجيه الموارد العسكرية والمالية نحو الجبهة الشرقية، بما يعزز قدرة الدول الأوروبية على دعم أوكرانيا، ويؤكد استمرار اعتبار التهديد الروسي أولوية أمنية قصوى.

ومع ذلك، فإن أي تصعيد متزامن في الشرق الأوسط قد يفرض ضغوطًا إضافية على القدرات الأوروبية، ويخلق حالة من التشتت الاستراتيجي قد تستفيد منها روسيا.

أما على مستوى حلف الناتو، فإن التباين في المواقف لا يعني بالضرورة إضعاف الحلف، بقدر ما يكشف عن تحوّل في دينامياته الداخلية. إذ تميل الدول الأوروبية إلى إعادة تعريف أدوار الحلف بما يتوافق مع أولوياتها الأمنية، خاصة في شرق أوروبا، وهو ما قد يعزز من الطابع الأوروبي داخل الحلف، مقابل تقليص الاعتماد الكامل على القيادة الأمريكية في بعض الملفات.

وفي الجانب الاقتصادي، تبرز تداعيات مركّبة، حيث قد ينعكس التباين السياسي على العلاقات التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي، خاصة في مجالات الطاقة والعقوبات وسلاسل الإمداد.

كما تؤثر الأزمات في الشرق الأوسط بشكل مباشر على أسعار الطاقة، الأمر الذي يضغط على الاقتصادات الأوروبية الساعية إلى التعافي من آثار الحرب في أوكرانيا. وفي المقابل، قد يدفع ذلك أوروبا إلى تسريع جهودها لتنويع مصادر الطاقة وتعزيز استقلالها الاستراتيجي.

 في المحصلة، لا يعكس هذا التحول قطيعة بين أوروبا والولايات المتحدة بقدر ما يشير إلى اختلاف في الأولويات والأساليب؛ حيث تميل أوروبا إلى الحذر والدبلوماسية، في حين تستمر الولايات المتحدة في تبني مقاربات أكثر حسمًا.

ومن شأن هذه الفجوة أن تسهم في إعادة تشكيل ملامح العلاقات الدولية خلال المرحلة المقبلة، في ظل تعدد الأزمات وتباين المصالح بين الحلفاء.

* باحث  فلسطيني في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

https://anbaaexpress.ma/643bt

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى