قبل أن أضع أمامكم الجواب الذي استخلصته بعد أن شاهدت هذا الفيلم منذ حوالي عام، أُقدّم لكن لكم نبذة عن الفيلم.
«عملية البحر الأحمر» (2018)، فيلم صيني من إخراج دانتي لام، وهو عمل ملحمي يجسد عملية عسكرية على الطريقة الأمريكية، عمل سينمائي يحاكي أحداثا حقيقية لإجلاء رعايا أجانب وصينيين من اليمن عام 2015. يتميز الفيلم بمشاهد حركة واقعية ومكثفة، مع التركيز على بسالة الجنود الصينيين وعلى مبدأ “القوي لا يقهر”، مما جعله الأعلى إيراداً في الصين لعام 2018. ويتناول الفيلم قصة فريق جياولونغ الهجومي من قوات النخبة الخاصة بسلاح البحرية، والذي أنقذ مواطنين صينيين وأجانب وأحبط مؤامرة إرهابية كان الهدف منها الحصول على مواد نووية لصنع قنابل ومتفجرات. وحصد الفيلم نحو 3 مليارات يوان منذ طرحه للعرض في 16 فبراير.
تدور أحداث الفيلم حول عملية إنقاذ جريئة لـ 225 من الرعايا الأجانب و 600 مدني صيني من ميناء عدن اليمني خلال الحرب الأهلية في 2015. وينقل الفيلم بشاعة الحرب وصعوبة الظروف، حيث تدور معظم الأحداث في صحراء اليمن والمدن المهدمة، وليس في البحر كما قد يوحي العنوان. وحقق الفيلم نجاحاً ساحقاً وتصدّر إيرادات شباك التذاكر الصيني، وتم ترشيحه لجوائز الفيلم الآسيوي.
تتفق القراءات التي تناولت الفيلم على ما يلي: تميز الفيلم بالواقعية والحركة، وتفوق في مشاهد الأكشن على العديد من أفلام هوليوود؛ إبراز روح البطولة الجماعية، مع إبراز الروح القومية والاعتزاز بالقدرات العسكرية الصينية. وعلى المستوى الإبداعي والمهني، عكس هذا الفيلم التطور الكبير في صناعة أفلام الحركة (الأكشن) والحروب في الصين، معتمداً على الإبهار البصري والسرعة القصوى في الأحداث.
وعلى أنه فيلم متفرد بمقاييسه الإنتاجية وقدرته التنافسية، فيلم يثبت أن السينما الصينية مقبلة على ازدهار غير مسبوق سواء فيما يتعلّق بضخامة الإنتاج، أو بجودة التقنية في مجالات التصوير والمؤثرات السمعية والبصرية وقوة الأداء التمثيلي وتماسك السيناريو والرونق الإخراجي الملم بأدق التفاصيل الفنية وأكثرها تعقيداً وإبهاراً أيضاً.
سواحل الصومال
يبدأ فيلم «عملية البحر الأحمر» بمشهد اقتحام قراصنة بحريين لسفينة تجارية صينية قبالة السواحل الصومالية، والتي سرعان ما يتم إنقاذ طاقمها من قبل سلاح البحرية الصينية بعد مواجهة شرسة مع المعتدين داخل السفينة ووسط الأمواج، تنتهي المواجهة بالقضاء على القراصنة الصوماليين، وخسارة البحرية لأحد جنودها المميزين والذي يتم إخفاء خبر موته عن الجنود حتى لا تؤثر الحادثة على معنوياتهم، خصوصاً أنهم مقبلون على مواجهة أكبر ضد إرهابيين أكثر تنظيماً وتمرّساً على الشاطئ المقابل، وتحديداً في اليمن التي تعمها الفوضى بعد الثورة ودخول عناصر إرهابية إلى مدينة عدن في العام 2015، حيث تقوم هذه العناصر بمحاصرة الجاليات الأجنبية المقيمة هناك، ومن ضمنها مئات الأفراد العاملين في السفارة الصينية وفي المكاتب التجارية التابعة لثلاثين شركة صينية.
وحدة (جياولونغ)، من قوات النخبة التابعة للبحرية الصينية، تتسلل إلى الأراضي اليمنية قرب ميناء عدن، وترافقهم الصحفية الصينية: سيا نان (الممثلة هاي كينغ) والتي تختزن طاقة انتقام عميقة في دواخلها بعد أن ذهب زوجها وابنها الوحيد ضحية لعملية تفجير إرهابية في العاصمة البريطانية لندن، وبعد تعرضها هي شخصياً لمحاولة اغتيال بعد نشرها لتحقيقات حول زعماء الحركات الإرهابية وحول نواياهم السوداء لامتلاك تقنية إنتاج صواريخ فتّاكة وقنابل قذرة، ومن خلال مشاهد بانورامية وأخرى تفصيلية وجزئية يبدأ مخرج الفيلم (دانتي لام) في صياغة حالة محتدمة لسيناريو الكرّ والفرّ في مناطق محفوفة بالخطر، وبمعارك ضارية بين الجنود الصينيين وبين الإرهابيين الساعين لاختطاف أحد السفراء الأجانب الذي يمتلك أسرار صناعة القنبلة الصفراء، حيث يرمز اسم القنبلة لتقنية خطيرة تتعلق بإنتاج أسلحة ذات قدرة تدميرية فائقة. يشرع الفيلم وبإيقاع لاهث في تعقّب هؤلاء الإرهابيين المتوحشين، وتصوير المشاهد المؤلمة للضحايا والأسرى الذين تحتفظ بهم هذه الجماعات الدموية كدروع بشرية وكرهائن يمكن التفاوض حولهم لاحقاً.
ويزخر الفيلم بمشاهد تحبس الأنفاس، خصوصاً عند اندلاع حرب الشوارع التي تضع جميع المقاتلين من الطرفين في حيّز خانق تتداخل فيه الصدامات المروعة مع التفجيرات الانتحارية وطلقات القنّاصة غير المتخفّين، وسط إصرار كبير من قائد الجنود الصينيين على تحرير الرهائن مهما كلف الأمر، ما يقودهم لملاحقة الإرهابيين بعد ذلك في الصحراء المفتوحة وعلى المرتفعات الجبلية، وصولاً للقرى التي يسكنونها والمخابئ التي يحتفظون فيها بالرهائن..
ورغم سقوط ضحايا كثر في هذه المواجهات، ورغم الخسارات المؤلمة، فإن الفرقة الصينية العسكرية تنجح في النهاية في تخليص عدد كبير من الرهائن وفي محاصرة الإرهابيين والعثور على الشيفرة السرية للقنابل القذرة، وأبان الفيلم عن قيمة الشعار الذي تبنّاه الجنود الصينيون وهو: «القويّ لا يقهر» حيث لم تستطع كل الظروف المعاكسة أن تضعف من عزيمة هؤلاء الجنود ورغبتهم في إثبات بسالتهم ومقاومتهم الداخلية والاعتزاز بقوميتهم، كقيمة راسخة لا يمكن التنازل عنها أو التفريط بها.
ما هي رسالة الفيلم في تقديري؟
رسالة الفيلم جاءت في اللحظات الأخيرة من الفيلم، أي بعد أن أنهت القوة العسكرية مهمتها بنجاح وأقلعت السفينة تم إرسال رسالة إلى فرقة أمريكية كانت في طريقها إلى مكان العملية، محتواها أن العملية تمت بنجاح.
وتوحي هذه اللقطة في تقديري أن هناك تعاونا بين البلدين، هذا إذا افترضنا أن الفيلم يسرد قصة وقعت في المستقبل؛ أما وأن الفيلم عالج ظاهرة أمنية في زمن مازالت فيه الصين تنأى بنفسها عن أي نشاط عسكري، فهذا يعني أن الفيلم يحمل رسالة إلى أمريكا مفادها أن الصين لها استعداد أن تعمل مع أمريكا وتتقاسم معها أعباء الوضع الأمني في العالم.
ما يعزز هذه القراءة، ووفق عدة تقارير، اتسمت مؤخرا رسائل الصين إلى أمريكا بمزيج من التحدي والندية، خاصة في الملفات التجارية والجيوسياسية.
وبالموازاة، وفي أفق القمة الصينية الأمريكية المرتقبة، لا تفتأ الصين تبعث برسائل في هذا المنحى، تعزيزا للتعاون الاقتصادي والأمني مع أمريكا وتجنب الصدام وتخفيف التوترات المتصاعدة، وتأسيسا لعلاقات عسكرية متكافئة وعادلة.
ما يؤشر أن البلدين لن يدخلا في حرب كما تذهب بعض التكهنات، وأن حالة المد والجزر بينهما ستنتهي إلى شراكة أمنية يفرضها منطق التحولات الأممية، كما يكون ذلك مدخلا إلى الخروج من وضعية القطب الأحادي إلى قطب تشاركي بدل وضعية الثنائية القطبية.




