آراء
أخر الأخبار

لبنان الناس.. لا لبنان السياسة

شادي منصور

في زمن الأزمات الكبرى، حين تغيب الدولة بمؤسساتها، وتغيب السياسات الفعّالة، يظهر وجه لبنان الحقيقي من بين الناس العاديين.

في ظلّ أزمة النزوح التي أثقلت كاهل البلاد، لم يكن المشهد كله سوداويًا كما تحاول بعض المنابر الإعلامية تصويره. فإلى جانب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الهائلة، برزت مبادرات إنسانية لافتة قام بها أفراد وجمعيات صغيرة ومتطوّعون، تحمّلوا مسؤوليات تشبه في حجمها أدوار وزارات ومؤسسات كاملة.

في كثير من المناطق اللبنانية، من الشمال إلى البقاع والجنوب وصولًا إلى جبل لبنان، نشهد يوميًا نماذج من التضامن الإنساني الصادق. شبّان وشابّات، معلّمون ومتطوّعون، أمهات وآباء، يخصصون وقتهم وجهدهم لتنظيم أنشطة تربوية وترفيهية للأطفال النازحين. ألعاب بسيطة، ورش رسم، حصص تعليم غير رسمي، أنشطة رياضية ومبادرات ثقافية صغيرة، لكنها تحمل في طياتها أثرًا إنسانيًا كبيرًا.

فالطفل النازح لا يحتاج فقط إلى الطعام والدواء، بل يحتاج أيضًا إلى لحظات طبيعية تعيد إليه شيئًا من الطفولة التي سُلبت منه. وهنا يظهر دور هؤلاء المتطوّعين الذين فهموا أن الدعم النفسي والتربوي لا يقلّ أهمية عن المساعدة المادية. إنهم يزرعون الأمل في نفوس الأطفال، ويمنحونهم مساحة للضحك والتعلّم واللعب، في بيئة غالبًا ما تكون قاسية ومليئة بالقلق.

هؤلاء الأشخاص لا يعملون تحت أضواء الإعلام، ولا يسعون إلى مكاسب سياسية أو شهرة عامة. كثير منهم يعمل بصمت، وبإمكانات محدودة، لكنه يعوّض ذلك بإيمان عميق بقيمة التضامن الإنساني. بعضهم يفتح منزله، وبعضهم يحوّل قاعة صغيرة إلى مساحة تعليمية، وآخرون يجمعون التبرعات البسيطة لتنظيم يوم ترفيهي للأطفال.

في الحقيقة، هؤلاء هم صورة لبنان الحقيقي. لبنان الذي لا تختصره الخلافات السياسية ولا الصراعات التي نشاهدها على الشاشات. لبنان الذي لا يمثّله فقط من يجلسون في ساحة النجمة، بل يمثّله قبل كل شيء هؤلاء المواطنون الذين يضعون إنسانيتهم فوق كل اعتبار.

إنهم لبنانيون بكل ما للكلمة من معنى. لبنانيون من مختلف المناطق والطوائف والخلفيات الاجتماعية، جمعهم شعور واحد: أن الواجب الإنساني لا ينتظر قرارًا رسميًا، وأن مساعدة الإنسان لأخيه الإنسان هي أسمى أشكال الوطنية.

وسط الأزمات كلها التي يمر بها هذا البلد، تبقى هذه المبادرات الصغيرة بمثابة ضوء في العتمة. فهي تذكّرنا بأن لبنان، رغم كل شيء، ما زال بلد الناس الطيبين الذين يعرفون كيف يقفون إلى جانب بعضهم البعض في أصعب الظروف.

لهم جميعًا، من القلب، ألف تحية وتقدير.

https://anbaaexpress.ma/t5uti

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى