داني الأمين – لبنان
في لبنان، لا يُقاس معنى التحالف في لحظات الربح، بل في لحظات الكلفة. هناك تحديدًا يسقط القناع: إمّا شراكة تتحمّل أثمانها، أو اصطفافٌ مصلحي يتبخّر عند أول اختبار. وبين عامي 2024 و2026، انكشف هذا الفارق بوضوح، حيث تحوّل تحالفٌ عريض مع حزب الله من التزامٍ معلن إلى عبءٍ سارع كثيرون إلى التبرّؤ منه عند تبدّل الموازين.
حتى حرب الـ66 يوم في عام 2024، لم يكن هذا التحالف شكليًا. تُرجم نفوذًا مباشرًا في بنية السلطة: تمثيل حكومي، دعم في الاستحقاقات الرئاسية والنيابية، تغطية سياسية، وحضور إعلامي مُعزَّز. يومها، كانت حارة حريك مركز ثقل فعلي، يقصده الحلفاء لتثبيت مواقعهم أو تحسين شروطهم داخل النظام.
خاض الحزب معارك سياسية للحفاظ على تماسك هذا التحالف. تمسّك بتمثيل حلفائه ورفض صيغ إقصائهم، وتعامل مع توازناتهم كجزء من توازنه. وفي محطات مفصلية، قدّم دعمًا لخيارات لم تكن الأكثر انسجامًا مع مصلحته المباشرة، لكنها صانت بنية التحالف ومنعت تفككه.
ويكفي التذكير بنموذج التيار الوطني الحر، الذي كان من أكبر المستفيدين: دعم حاسم في التمثيل الحكومي، وصول إلى رئاسة الجمهورية، وغطاء سياسي واسع في مراحل العزلة والعقوبات. ومع ذلك، كان من أوائل المنقلبين على ورقة التفاهم، متنقّلًا بين ذرائع متبدّلة، وصولًا إلى خطاب نقدي حاد وقطيعة رمزية في محطات مفصلية.
ولا يقتصر الأمر على هذا المثال. في الحكومات، جرى تأمين تمثيل لحلفاء رغم تعقيدات التوازنات، كما في حالة فيصل كرامي، حيث تنازل الثنائي عن مقعد من حصته الشيعية بحسب الأعراف اللبنانية لإدخاله إلى الحكومة بعد أن رفضت القيادات السنية تسميته.
هذا الاستثمار السياسي لم يُقابَل بحدٍّ أدنى من الالتزام؛ فبعد الحرب، اتخذ كرامي مسارًا انقلابيًا كاملًا، متجهًا نحو تموضع خليجي واضح، وصولًا إلى مواقف وسلوكيات صادمة، من بينها الغياب عن تشييع الأمين العام الأسبق لحزب الله السيد حسن نصر الله.
في المقابل، يبرز نموذج مختلف مع الوزير وئام وهاب: انتقادات متقطّعة وتموضع نقدي في بعض المحطات، لكن دون قطعٍ للعلاقة أو انقلابٍ على الأساس. هذا التمايز يضيء على الفارق بين خلافٍ سياسي يمكن احتواؤه وسلوكٍ انتهازي يبدّل موقعه مع تبدّل الرياح.
وبين هذين النموذجين، لائحة طويلة من سياسيين استفادوا من الدعم السياسي وبعضهم من دعمٍ مالي ثم انقلبوا عند أول مطب صعب واجهه حزب الله.
وفي المقلب الآخر، يبرز نموذج الحليف الثابت: سليمان بك فرنجية. الرجل الذي دُفع اسمه توافقيًا من كتل لبنانية وازنة، وبغطاء فرنسي-أميركي-سعودي لم يتقدّم على حساب حليفه. ضحّى بفرصة الوصول إلى رئاسة الجمهورية عندما كان ميزان التسوية يسمح بذلك، مراعاةً لخيار الحزب الذي كان يدعم وصول العماد ميشال عون إلى سدة الرئاسة.
ومنذ ذلك الحين، حافظ فرنجية على تموضع ثابت، ولم يُبدّل خطابه تحت ضغط الحرب أو تبدّل المناخ السياسي أو محاولات شحن الشارع المسيحي ضده. حتى لحظة إعداد هذا المقال، بقي وفيًا لخياره، مقدّمًا نموذجًا نادرًا في الثبات السياسي.
لكن المفصل الحقيقي كان حرب الـ66 يوم. مع الضغوط والنكسات، بدأ التباعد: أولًا بمراجعات خجولة، ثم نقدٍ متصاعد، وصولًا لدى البعض إلى هجوم مباشر على قرارات الحزب وخياراته. هذا المسار لم يكن لحظيًا، بل تراكم على مدى نحو خمسة عشر شهرًا بعد وقف إطلاق النار.
وخلال هذه الفترة، برزت مفارقة فاضحة: الاتفاق الذي أنهى المواجهة لم يُحترم من الجانب الإسرائيلي، واستمرت الاعتداءات بوتيرة مرتفعة في الجنوب والبقاع والضاحية، مع مئات الضحايا وآلاف الخروقات. ومع ذلك، غاب الضغط السياسي من معظم الحلفاء، وحضر خطاب التهدئة وتفادي التصعيد، فيما جرى تحميل الحزب مسؤولية أي توتر.
هذا السلوك كشف خللًا بنيويًا في مفهوم الشراكة: صمتٌ في لحظة الاستنزاف، وارتفاع الصوت فقط عند لحظة الرد.
أما في الوسط الإعلامي، فقد تجلّى الانقلاب بصورة أكثر فجاجة. شريحة من الإعلاميين الذين بنوا حضورهم تحت سقف هذا التحالف، واستفادوا من قربهم، سارعوا إلى إعادة تموضعهم مع تغيّر المناخ. لم يكن الأمر اختلافًا في الرأي، بل انتقالًا انتهازيًا: من خطاب دفاعي إلى سرديات نقدية حادة، من دون مراجعة للمرحلة السابقة التي صنعت حضورهم.
ومع اندلاع الحرب في 2 آذار 2026، دخلت هذه المسارات اختبارًا جديدًا. الميدان أعاد خلط الأوراق، وفتح الباب أمام احتمالات متعددة، ومع أي مؤشر على تبدّل في موازين القوى، بدأت تُطرح تساؤلات غير معلنة حول حقيقة هذه التحولات.
لكن ما تغيّر فعليًا هو نظرة بيئة المقاومة نفسها.
هذه البيئة، التي دفعت كلفة المواجهة، لم تعد تنظر إلى التحالف بعينٍ ساذجة. راقبت مسار التخلّي، وراكمت تجربة قاسية، ما ولّد وعيًا سياسيًا أكثر حدّة وأقل تسامحًا مع الانتهازية.
بمعنى أوضح: لم يعد الحليف يُقاس بما قاله في زمن الوفرة، بل بما فعله في زمن الكلفة.
من هنا، لا يعود السؤال: هل سيعود هؤلاء؟
بل: هل سيُسمح لهم بالعودة كما كانوا؟
المؤشرات تقول إن المرحلة تغيّرت. فثمّة مزاجٌ جديد يرفض إعادة إنتاج العلاقة السابقة، ويميل إلى فرض معايير أكثر صرامة في تعريف الحليف.
الحليف، اليوم، ليس من يشارك في توزيع المكاسب، بل من يثبت عند تحمّل الكلفة.
أما الباقي، فلن تحدّده فقط نتائج الميدان، بل ذاكرة بيئةٍ تعبت من حلفاء مؤقتين، وقرّرت أن لا تُلدغ من الجحر نفسه مرّتين.




