داني الأمين – بيروت
على لسان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أُعلن اتفاق وقف إطلاق نار مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران لمدة أسبوعين، يتضمن فتح باب المفاوضات في باكستان.
الإعلان لم يبقَ في إطاره الإيراني، بل تبنّاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب حرفيًا عبر إعادة نشره على حسابه على مواقع التواصل الإجتماعي، فيما أكّد عليه رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف مؤكدًا التزام بلاده باستضافة المسار التفاوضي بدءً من يوم السبت.
هكذا، بدا أن اتفاقًا متعدد الأطراف يتشكّل بسرعة، كما إنه اكّد أن اتفاق وقف اطلاق النار يشمل مختلف ساحات الاشتباك، وخصوصًا لبنان.
لكن، وبينما كان هذا المسار السياسي يتبلور، كان نتنياهو يحاول التنصل ويؤكد أن الاتفاق لا يشمل لبنان، مؤكدًا أن جيشه سيواصل عمليته العسكرية وقصف لبنان والحزب بلا رحمة ولن يتوقف قبل تحقيق كل اهدافه العسكرية كانت بيروت على موعد مع واقع مختلف تمامًا.
ففي دقائق معدودة، شنّ الطيران الإسرائيلي واحدة من أعنف هجماته: نحو 50 طائرة حربية أطلقت أكثر من 160 صاروخًا على أحياء سكنية مكتظة، فسوّت أبنية كاملة بالأرض، وحوّلت مناطق آهلة إلى ركام. الحصيلة الأولية ثقيلة: قرابة 250 شهيدًا ونحو 1000 جريح، في مشهد يختصر قسوة الاستهداف وحجمه.
اللافت، بل الصادم، لم يكن فقط حجم الغارات، بل توقيتها. فقد تزامنت هذه الضربات بشكل مباشر مع تصريحات رئيس الحكومة نواف سلام، ما أعطى انطباعًا صارخًا بانفصال الخطاب السياسي الداخلي عن الوقائع الميدانية.
ففي اللحظة التي كان يُفترض فيها أن يتقدّم صوت الدولة لحماية مجتمعها، كانت الصواريخ تتساقط على رؤوس المدنيين، في مفارقة تختصر عمق الأزمة اللبنانية.
في موازاة ذلك، فإن تصريحات رئيس الجمهورية، التي شكر فيها عدة دول لعملها للوصول الى وقف اطلاق النار والذي يشمل لبنان وتجاهله شكر ايران مباشرة التي هي من اصرّت على أن يشمل لبنان.
وكلام رئيس الحكومة أنّ “لا أحد يفاوض عن لبنان إلا اللبنانيين”، لتفتح باب سجال داخلي في توقيت بالغ الحساسية. هذا الطرح، وإن بدا سياديًا في الشكل، يفتقر إلى مقوماته الواقعية، في ظل غياب أي قنوات تفاوض فعلية مع إسرائيل، لا بل وفض اسرائيل المطلق للدعوات التي اطلقها الرئيس عون المتعلقة بالمباشرة بمفاوضات مباشرة مع العدو. واستمرار إدراج لبنان موضوعيًا ضمن أي تفاهم إقليمي بحكم موقعه وتشابك ساحاته.
هنا تبرز مسؤولية رئيس الجمهورية بشكل خاص. فالمادة 49 من الدستور تنص بوضوح على أن رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن.
وهذا يعني، في لحظة كهذه، أن خطابه يجب أن يكون جامعًا، عابرًا للانقسامات، ومُطمئنًا لكل اللبنانيين. الرئاسة ليست موقعًا سياسيًا عاديًا، بل موقع توازن، وأي انزلاق نحو خطاب يُفهم على أنه منحاز، يُفقد هذا الموقع جوهره.
أما رئيس الحكومة، فالمطلوب منه، في لحظة حرب، أن يتصرّف بوصفه رئيس حكومة كل لبنان، لا بوصفه جزءًا من اصطفاف سياسي. فإدارة الأزمات الكبرى لا تحتمل خطابًا يزيد الانقسام، ولا مواقف تُقرأ كاستهداف لبيئة بعينها، بل تحتاج إلى مقاربة توحيدية تعطي الأولوية للاستقرار الداخلي.
غير أن الإشكالية لم تتوقف عند حدود الخطاب الرسمي. فقد برز أداء لعدد من القوى التي تُعرّف نفسها بـ”السيادية” و”التغييرية”، اتسم بتصعيد داخلي لافت. نواب من هذا الخط انخرطوا في ترويج روايات عن انتشار السلاح بين النازحين، والتحذير من “احتلال” بيروت، في خطاب يفتقر إلى الأدلة ويغذّي الانقسام في لحظة حرجة.
هذا الخطاب، سواء أتى عن قصد أو نتيجة تقدير خاطئ، يساهم في خلق مناخ من الشك والخوف بين اللبنانيين، ويعيد رسم خطوط تماس داخلية في وقت يُفترض أن تُمحى فيه كل الخطوط. والأخطر أنه يحوّل الأنظار من العدوان الخارجي إلى “خطر داخلي” مفترض، في اختلال واضح في تحديد الأولويات.
في الوقت الذي كانت فيه فرق الإسعاف تنتشل الضحايا من تحت الأنقاض، استمرت بعض المنابر السياسية والإعلامية في ضخ هذا النوع من الخطاب، وكأن المجزرة لم تقع، أو كأنها لا تستدعي مراجعة جدية. هنا تحديدًا، يصبح السؤال مشروعًا: هل يدرك أصحاب هذا الخطاب حجم تأثير كلماتهم في زمن الحرب؟
التاريخ واضح في هذا السياق: إسرائيل لم تميّز يومًا بين لبناني وآخر، ولم تسأل عن انتماء الضحايا. القصف يستهدف المجتمع ككل، وأي محاولة لإعادة تعريف الصراع على أنه نزاع داخلي، أو لتحميل فئة لبنانية مسؤولية ما يجري، هي قراءة ناقصة وخطرة في آن.
لبنان اليوم أمام اختبار يتجاوز السياسة اليومية: اختبار قدرته على الحفاظ على حد أدنى من التماسك الوطني. وهذا يبدأ من الخطاب، من موقع الرئاسة، من أداء الحكومة، ومن مسؤولية القوى السياسية والإعلامية في عدم تحويل الخلاف إلى أداة تفكيك.
في المحصلة، قد تختلف القراءات السياسية، وقد تتباين المواقف من الإقليم والعالم، لكن ما لا يحتمل الخلاف هو ضرورة التضامن الداخلي. لأنه، في لحظات الخطر الوجودي، لا يكون الانقسام وجهة نظر، بل كلفة إضافية يدفعها الجميع.




