أفريقياحديث الساعةسياسة
أخر الأخبار

“الدولة 55” في إفريقيا.. هل يقصد سونكو البوليساريو أم كازامانس؟

التصريح يعكس ارتباكاً أو تحولاً في خطاب النخب السياسية الجديدة في السنغال، والتي لم تعد تتحرك بنفس منطق التحالفات التقليدية..

أثار تصريح الوزير الأول السنغالي عثمان سونكو، الذي أكد فيه أن “إفريقيا لا تتكون من 54 بل من 55 دولة”، موجة من التساؤلات السياسية العميقة، خصوصاً في سياق إقليمي حساس تتداخل فيه ملفات الوحدة الترابية والنزاعات الانفصالية.

هذا التصريح لا يمكن فصله عن البيئة الجيوسياسية المعقدة التي تعيشها القارة، ولا عن التحديات الداخلية التي تواجهها السنغال، وعلى رأسها ملف كازامانس، أحد أقدم النزاعات الانفصالية في إفريقيا.

كازامانس.. جرح داخلي لم يندمل

منذ 1982، يقود متمردو حركة القوات الديمقراطية لكازامانس تمرداً مسلحاً بدعوى التهميش، مستندين إلى خصوصيات ثقافية ودينية مغايرة لباقي البلاد.

ورغم توقيع عدة اتفاقيات، أبرزها اتفاق 2004، ثم اتفاق 2022 برعاية غينيا بيساو، إلا أن النزاع لم يُطوَ بشكل نهائي.

هذا الواقع يجعل من أي حديث عن “دولة إضافية” في إفريقيا مسألة حساسة للغاية بالنسبة لدكار، التي تواجه أصلاً مطالب انفصالية داخل حدودها.

هل هو اعتراف ضمني بالبوليساريو؟

في السياق القاري، الرقم 55 يُستخدم من طرف بعض الأطراف للإشارة إلى الكيان الانفصالي الوهمي داخل الاتحاد الإفريقي، وهو ما قد يُفهم من تصريح سونكو كإشارة سياسية غير مباشرة، خصوصاً وأن المغرب يعتبر هذا الملف خطاً أحمر، وفي ظل الشرعية نجحت المملكة في حشد دعم واسع لوحدتها الترابية.

غير أن هذا التفسير يظل سياسياً أكثر منه رسمياً، في ظل غياب أي توضيح من الحكومة السنغالية.

أم زلة لسان أم رسالة مبطنة؟

الاحتمال الآخر هو أن التصريح يعكس ارتباكاً أو تحولاً في خطاب النخب السياسية الجديدة في السنغال، والتي لم تعد تتحرك بنفس منطق التحالفات التقليدية.

كما لا يمكن استبعاد أن يكون الرقم المشار إليه مرتبطاً – بشكل غير مباشر – بإدراك داخلي لتعقيدات الدولة السنغالية نفسها، خاصة مع استمرار ملف كازامانس، وإن كان هذا الاحتمال ضعيفاً سياسياً، لأن دكار ترفض تماماً أي توصيف انفصالي للإقليم.

بين الرباط ودكار.. اختبار جديد

التصريح يضع العلاقات المغربية السنغالية أمام اختبار دقيق، بعدما كانت دكار تُعتبر من أبرز الداعمين للوحدة الترابية للمغرب داخل إفريقيا.

اليوم، لم يعد الرهان على التاريخ كافياً، بل بات ضرورياً مواكبة التحولات داخل النخب السياسية الصاعدة، التي قد تعيد صياغة مواقفها وفق حسابات جديدة.

ختامًا، تصريح سونكو، سواء كان زلة لسان أو رسالة مشفرة، يكشف عن تحولات أعمق داخل المشهد الإفريقي، حيث لم تعد الثوابت الدبلوماسية بمنأى عن التغيير.

لكن الأكيد أن الربط بين “55 دولة” وكازامانس يبقى غير مرجح سياسياً، لكون الإقليم لا يحظى بأي اعتراف ككيان مستقل، في وقت ترفض فيه السنغال رسمياً أي نزعة انفصالية داخل حدودها.

بالمقابل، يظل التفسير الأقرب مرتبطاً بالكيان الانفصالي داخل الاتحاد الإفريقي “مليشيا البوليساريو”، وهو ما يفرض يقظة دبلوماسية مغربية أكبر، خاصة وأن المغرب يقوم على موقف ثابت يرفض تقسيم الدول ولا يدعم الحركات الانفصالية.

وفي خضم هذه التحولات، يواصل المغرب ترسيخ موقعه كقوة دبلوماسية صاعدة على المستويين الإفريقي والدولي، مستندًا إلى تراكم إنجازات نوعية عززت حضوره داخل مراكز القرار.

وقد شكل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 محطة مفصلية جديدة في مسار تثبيت مغربية الصحراء، حيث كرّس دعمًا دوليًا متزايدًا لمقترح الحكم الذاتي، وأكد وجاهة الرؤية المغربية كحل جدي وواقعي للنزاع، ما يجعل الرباط اليوم أكثر قوة وثباتًا في مواجهة أي محاولات للتشويش أو إعادة طرح أطروحات متجاوز.

https://anbaaexpress.ma/bp9q8

عثمان بنطالب

ناشط حقوقي دولي خبير في الشأن المغاربي و الإفريقي، مدير عام أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى