آراء
أخر الأخبار

الحرب الإعلامية وصناعة سرديات النصر في الحروب.. واقعة الطائرتين الامريكيتين كنموذج

لقي سقوط الطائرتين الأمريكيتين “إف-15″ و”إيه-10” اهتمامًا ومواكبةً إعلاميةً كبيرةً، لما لذلك من دلالة على ميزان القوى، على خلفية الحرب الدائرة رحاها في الشرق الأوسط، التي دخلت شهرها الثاني بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

وبقدر ما أبرز هذا الحدث واقعةً عسكريةً تسلط الضوء على تقييم هيمنة الجيشين الأمريكي والإيراني على الأجواء الإيرانية، فهو يميط اللثام عن حرب خفية موازية تدور في ردهات الإعلام والتواصل والترويج والدعاية.

ففي الوقت الذي صرحت إيران أنها أسقطت الطائرتين وأسرت ربانيهما، سارعت أمريكا إلى الإعلان عن قيامها بعملية إنقاذ نوعية أسفرت عن استعادة الطيارين اللذين سقطا في عمق الأراضي الإيرانية، وهو ما يمكن تفسيره بأفضلية أمريكية على القوات الإيرانية، عقب دخول طائرات مقاتلة للأجواء الإيرانية وتحليقها على علو منخفض، والقيام بعملية إنزال وإجلاء للطيارين دون تسجيل خسائر بشرية، رغم الأضرار اللوجيستيكية التي لحقت بسرب الطائرات؛ في دلالة على أن الولايات المتحدة لا تترك جنودها، وهو عنصر وازن في الرأي العام الأمريكي، خاصة في ظل وجود معارضة داخلية للحرب، كما أنه يبعث الثقة في صفوف الجنود ويقوي من روحهم القتالية.

من جهة أخرى، تعتبر إيران إسقاط الطائرتين وأسر ربانيهما، وإلحاق أضرار بسرب الطائرات الأمريكية المشاركة في عملية الإنقاذ، ونشوب مواجهات عسكرية على الأرض، مؤشرًا على قدرتها على المقاومة وصد الهجمات الأمريكية، ودحض الرواية التي تقول إن إيران فقدت سيطرتها على مجالها الجوي.

ورغم الخسائر المادية الفادحة التي تكبدتها أمريكا في هذه العمليات، إلا أنها تعتبر مجرد اختراق الأجواء الإيرانية وتنفيذ إنزال بري ميداني واسترجاع الطيارين بمثابة نصر مبين.

كما أن إيران، رغم فقدانها لامتياز أسر الطيارين واستعمالهما كورقة ضغط في حال العودة إلى طاولة المفاوضات، وما يشكلانه من كنز غني بالمعلومات الاستخباراتية والتقنية التي يمكن استخراجها خلال الاستنطاق والتحقيق، إلا أن إلحاق أضرار لوجيستيكية ومادية بالقوات الأمريكية يظهر أن إيران لا تزال قادرة على المقاومة والدفاع عن سيادتها الجوية.

هذا التأويل في النتائج، واعتماد معطيات ميدانية حقيقية لصناعة سردية النصر من الطرفين، يحيلنا على حرب تجري أطوارها في الخفاء، ألا وهي الحرب الإعلامية وسلاح الدعاية، الذي ليس وليد هذه المرحلة، بل هو أداة سبق اعتمادها خلال الحروب السابقة، انطلاقًا من الحربين العالميتين، حيث كانت تُربح المعارك بالإعلام قبل الجنود.

كما أن هذا الوضع ينتقل بنا إلى قراءة الواقع واستشراف المستقبل، حيث إن نهاية هذه الحرب لن يكون فيها خاسر، بل سيعلن الطرفان عن فوزهما؛ فلو أوقفت أمريكا الحرب غدًا، ستعلن عن انتصارها، كونها اغتالت قيادات الصف الأول والثاني في النظام الإيراني، وأضعفت الدولة وقلصت من مخاطرها.

كما أن إيران ستعلن أنها استطاعت طرد الغزاة والدفاع عن سيادتها والوصول إلى العمق الإسرائيلي.

والواقع أن في الحرب ليس هناك منتصر أصلًا، فالكل منهزم.

https://anbaaexpress.ma/i0omq

ياسين المصلوحي

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى