آراءسياسة
أخر الأخبار

الترحال السياسي في المغرب.. من «المرجعية المفقودة» إلى «ميركاتو المقاعد»

الترحال كأزمة ثقة في المؤسسات الحزبية والتمثيلية..

منير لكماني – ألمانيا

لا شك أن ظاهرة الترحال السياسي في المغرب باتت من أبرز خصائص المشهد الإنتخابي، خاصة في السنوات التي تسبق الإستحقاقات التشريعية والجهوية والجماعية. فهي ليست مجرد حركات إنتقالية عابرة بين الأحزاب، بل صارت تعبيرا مكثفا عن أزمة بنيوية في علاقة السياسي بالمرجعية، وبالبرنامج، وبالناخب الذي إختاره.

واليوم، ونحن على أعتاب الإنتخابات التشريعية، أصبحت الساحة السياسية تشبه، في كثير من جوانبها، سوقا للإنتقالات والتبادلات، يستقطب فيها من يملك «الجاهزية الإنتخابية» و«الوزن الإجتماعي»، بينما تهمل البرامج والمشاريع والرؤى الكبرى.

تعريف الترحال السياسي وسياقه الزمني

يقصد بالترحال السياسي، في السياق المغربي، إنتقال المنتخب أو الفاعل السياسي من حزب إلى آخر، أو تغييره لإنتمائه البرلماني أو الحزبي، إما قبل الدخول في الإنتداب، أو خلاله، أو قبل موعد الإستحقاقات بمدة قصيرة.

وهذه الحركة لا تقتصر فقط على النواب أو البرلمانيين، بل تمتد إلى أعضاء مجالس الجماعات والجهات، بل حتى إلى بعض الوجوه التي تنتقل بين اللوائح أو بين الأحزاب الكبرى والصغيرة، بحثا عن المقعد أو عن موقع متقدم في اللائحة أو عن التزكية.

وغالبا ما تتسارع هذه الإنتقالات في الأشهر التي تسبق الإنتخابات، حين تصبح المقاعد «بضاعة» نادرة، وتشتد الحاجة إلى توزيع الحصص بين الأحزاب.

وهنا يظهر الترحال بوصفه وسيلة تفاوضية داخل الأحزاب، وكعلامة على ضعف تأطير النخبة من الداخل، وإنفتاحها على إستقطاب «العناصر الجاهزة» بدلا من بناء الكفاءات الحقيقية داخلها.

بين المرجعية والبراغماتية

السؤال المركزي هنا هو: أين مفهوم السياسة في ظاهرة الترحال؟

فالسياسة، في معناها النبيل، هي فعل عام يؤطر بمشروع ورؤية، وبرنامج وخريطة طريق، ومرجعية فكرية أو أيديولوجية ثابتة نسبيا.

أما حين يتحول الترحال إلى مادة للتفاوض على المقاعد والمواقع، فإنه ينزلق إلى براغماتية صرفة، يصبح فيها الحزب مجرد منصة ظرفية، والإنتماء مجرد بطاقة عبور، والبرنامج مجرد ورق تزين به السيرة الذاتية.

كثير من المترحلين لا يغيرون خطابهم ولا برنامجهم، بل يغيرون فقط «الشعار فوق الباب»، فينتقلون من اليسار إلى الوسط، أو من الوسط إلى اليمين، أو من حزب تاريخي إلى حزب صغير، أو من الأغلبية إلى المعارضة، من دون أن نلمس تحولا حقيقيا في قناعاتهم أو في مواقفهم من السياسات الكبرى.

وهنا يتكشف أن الالتزام بالمرجعية كان ضعيفا منذ البداية، وأن الإنتماء كان مرتبطا، في الأصل، بالموقع الإنتخابي أكثر من إرتباطه بالمشروع الفكري أو السياسي.

الأبعاد القانونية والدستورية للظاهرة

من الناحية القانونية، حاول المشرع المغربي وضع ضوابط واضحة لضمان إستقرار المؤسسات المنتخبة، وتجنب التحولات المفاجئة التي قد تخل بالتوازنات داخل البرلمان.

وينص الفصل 61 من الدستور على أن عضو أحد المجلسين يعد مستقيلا من صفة عضو مجلسه إذا تخلى عن الإنتماء السياسي الذي ترشح بإسمه، أو إذا غير إنتماءه النيابي أو الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها، على أن ترفع النازلة إلى المحكمة الدستورية للبت في إثبات شغور المقعد.

ويهدف هذا النص إلى الحد من التحول الإعتباطي في شغل المقعد، ومن توظيف الإنتقال الحزبي للإلتفاف على مبدأ الإستخلاف السياسي.

كما أضاف قانون الأحزاب السياسية جملة من الضوابط التي تروم تأطير الترحال وتقييده، خاصة في ما يتصل بتوزيع الأصوات والمقاعد بين الأحزاب، وضمان التوازن بين الحزب الأم والأحزاب الأخرى، وتنظيم التزكيات والإنتخابات الداخلية.

وإستكملت القوانين التنظيمية المتعلقة بالإنتخابات هذا التوجه، فجعلت بعض صور التحول الحزبي عائقا قانونيا، مثل منع الإنتقال من حزب إلى آخر في فترة زمنية قريبة من موعد الإستحقاق، أو ربط شرعية التغيير بإجراءات داخلية داخل الحزب نفسه.

لكن، رغم هذا الإطار التشريعي المتقدم نسبيا، يبقى أثره محدودا في الواقع، لأن كثيرا من التحولات تتم قبل الدخول الرسمي في الإنتداب، أو عبر إستقالات مسبقة، أو عبر إنتقالات «صورية» داخل الأحزاب نفسها، كالنقل من لائحة إلى أخرى داخل الحزب ذاته، أو عبر إنتماءات شكلية لا تعكس أي تغير حقيقي في الموقف أو في الخطاب.

وبذلك، يبقى الخلل في مستوى التطبيق والثقافة السياسية، لا في مستوى النص القانوني.

الترحال وتشويه العلاقة بين الناخب والمنتخب

الجانب الأخطر في الترحال السياسي هو ما يخلفه من أثر في علاقة الناخب بمنتخبه. فعندما يختار الناخب حزبا معينا، فإنه يكون، في الغالب، قد إقتنع بالمشروع الذي يحمله ذلك الحزب، أو بخطابه، أو بالتاريخ الذي يرتبط به. فإذا إنقلب هذا المنتخب بعد الإنتخابات، أو إنضم إلى حزب آخر أو إلى كتلة برلمانية جديدة، فإن ذلك يخلق نوعا من الخديعة في التمثيل.

فالناخب لم يختر هذه الكتلة الجديدة، ولم يستشر في هذا الإنتقال، ومع ذلك يجد نفسه، بصورة غير مباشرة، واقعا تحت آثار هذا التحول، وربما محملا بتبعات سياسات لا يؤمن بها.

وكثير من المنتخبين لا يشعرون بأي حرج في تغيير إنتمائهم، بل يبررون ذلك بمبررات «واقعية» مثل حماية المقعد، أو الحفاظ على الحصة، أو إستمرار الوجود داخل المؤسسة. لكن هذه الأعذار لا تخفف كثيرا من ثقل التناقض، لأنها تحول السياسة من فعل جماعي تعاقدي إلى ممارسة فردية إنتهازية.

وبهذا المعنى، يصبح الترحال، في كثير من الحالات، شكلا من أشكال خيانة الإنتداب، أو على الأقل خيانة لمعنى الإلتزام الذي يفترضه التمثيل السياسي الحر، المنتخب بحرية ووعي.

أسباب عميقة: من الأحزاب إلى الثقافة السياسية

إذا أردنا أن نستفيض في تحليل هذه الظاهرة، فلا بد أن نتجاوز مجرد وصف التحولات إلى قراءة الأسباب التي تصنعها. ومن أهم هذه الأسباب ضعف التأطير الداخلي للأحزاب، وغياب برامج تكوينية حقيقية للنخب.

فبدلا من أن تنتج الأحزاب مناضلين مدربين ومثقفين سياسيين، تكتفي، في كثير من الأحيان، بإستقطاب «الوجوه الجاهزة»، سواء من أعيان القبيلة، أو من رجال الأعمال، أو من الوجوه الإعلامية.

وتصبح هيمنة منطق المحاباة والولاءات الشخصية على منطق البرنامج والمشروع، فيوزع المقعد وفق روابط القرب الأسري أو القبلي أو المالي، لا وفق الأهلية أو الكفاءة. وهنا يصبح الإنتقال بين الأحزاب أمرا مقبولا، لأن الوزن الإنتخابي يأتي من الأسرة أو القبيلة أو الشبكة الإجتماعية، لا من الحضور في العمل الحزبي.

ويتداخل هذا مع بعد آخر، هو التداخل المالي والإقتصادي مع العمل السياسي، حيث يربط كثير من المترحلين موقعهم السياسي بمصالحهم الإقتصادية؛ فينتقلون إلى الحزب الذي يضمن لهم الحماية أو الوصول إلى عقود أو مشاريع، أو يحافظون على موقعهم الإنتخابي لضمان إستمرارية تدفق الموارد.

ويضاف إلى ذلك ضعف المحاسبة الداخلية داخل الأحزاب، فغياب مؤسسات ديمقراطية داخلية فاعلة، مثل المؤتمرات الدورية، والإنتخابات الداخلية الشفافة، وآليات التداول على القيادة، يجعل من السهل على بعض القيادات أن تبرم صفقات الإنتقال مع جهات أخرى، من دون عرضها على العضوية أو على القواعد الحزبية.

ثم إن هذه الظاهرة تتغلغل أيضا في ثقافة المجتمع نفسه، الذي قد يغفل أحيانا قيمة الإلتزام الفكري، ويمنح وزنا كبيرا للإسم والصورة والنفوذ، أكثر من الوزن البرامجي.

وهكذا يختار الناخب «الشخص» لا البرنامج، فيسهل على هذا الشخص أن ينتقل بين الأحزاب من دون أن تتأثر، بالضرورة، حظوظه في النجاح.

الترحال كأزمة ثقة في المؤسسات الحزبية والتمثيلية

تسهم هذه الظاهرة في تسريع أزمة الثقة بين المجتمع والأحزاب. فعندما يرى المواطن أن بعض النواب ينتقلون بين الأحزاب بسهولة، فإن ذلك يرسخ لديه فكرة أن السياسة مجال نفعي، وأن الإنتماء مجرد قناع. وهكذا ينفك الربط بين الحزب والمشروع، ولا يبقى إلا الربط بين السياسي والكرسي.

وهذا ما يفسر تصاعد العزوف الإنتخابي لدى بعض شرائح المجتمع، ونمو خطاب «اللافرق»، أي الإعتقاد بأن جميع الأحزاب متشابهة، وأن الجميع يبحث عن كرسيه فقط.

كما أن الترحال يزيد من تدهور صورة السياسة في أعين الجيل الجديد، خاصة في ظل حضور وسائل التواصل الإجتماعي، حيث ترصد كل تحولات المقاعد، وتحلل بسرعة، ويتداول بشأنها كثير من السخرية.

وعندئذ لا يعود المشهد السياسي ساحة للتنافس بين البرامج والتصورات، بل يتحول إلى فرجة على تنقلات السياسيين، وإلى مادة للسخرية بدل أن يكون مجالا للنقاش العمومي الجاد حول السياسات العمومية.

https://anbaaexpress.ma/tru4q

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى