فضحت الحرب الإيرانية تفككا يميل نحو البنيوية داخل المنظومة الغربية. لم يسبق للخلاف بين الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية أن وصل منذ الحرب العالمية الثانية إلى الدرك الذي وصل إليه.
ولم يسبق أن توحدت المنظومة الغربية كلها في موقف مقابل المواقف الآتية من واشنطن. فهل هي غيمة عابرة أم نهاية نهائية لحقبة من التاريخ؟
لا تريد المنابر الأوروبية أن تصدق أن القارة على وشك تسلّم “أوراق الطلاق” من الضفة الأخرى من الأطلسي. ما زالت تأمل أن تتبدد رياح الشؤم بين الضفتين مع تبدد غبار الحرب في إيران.
وفيما تتأمل أوروبا أن تبقى تصريحات وتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمعاقبة أوروبا والناتو (ومغادرته الحلف) مجرد تصريحات تجبّها تصريحات أخرى، يعوّل الأكثر تشاؤما على رحيل ساكن البيت الأبيض بعد ثلاث سنوات لتعود الإدارة إلى “رشدها”.
حصل ذلك تماما في أعقاب ولاية ترامب الأولى. أتى خليفته الديمقراطي جو بايدن ليرفع شعار America is back ويبشّر الأميركيين والعالم بعودة الولايات المتحدة وكأنها كانت في عهد سلفه في مجاهل غابرة.
قفز بايدن إلى بريطانيا عام 2021 للقاء قادة دول مجموعة السبع G7، وانتقل إلى بروكسل للقاء زعماء أوروبا والناتو. أصلح الشقوق في جدران الحلف وعادت بلاده زعيمة بلا منازع للمنظومة الغربية.
منذ عام 1945 تعرضت علاقات الضفتين لهزات لم ترقَ إلى مستوى الزلازل. تناوب على حكم البلدان الأوروبية تيارات أيديولوجية تباينت تقويماتها لطبيعة العلاقة مع “الأخ الأكبر”. برز الجنرال شارل ديغول على رأس فرنسا متمردا على وصاية واشنطن وتبعية لندن لها.
أخرج بلاده من الهياكل العسكرية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بسبب هيمنة القرار الأميركي، ومنع بريطانيا من دخول ما صار اسمه لاحقا الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك بقيت أوروبا حليفة للولايات المتحدة لا تنسى دماء جنود أميركيين قتلوا لتحريرها من الاحتلال النازي، ولا تنسى “خطة مارشال” التي انتشلت القارة من محنة تلك الحرب.
لاحقا عندما سعت أفكار أوروبية خلاقة، منها فرنسية في عهد الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران، للدفع باستقلال الدفاع الأوروبي عن ذلك الأميركي ومدّ مظلات نووية فرنسية بريطانية دون غيرها فوق القارة، رفضت دول أخرى، أهمها ألمانيا، تلك التوجهات متمسكة بانتشار الولايات المتحدة العسكري في القارة وبمظلتها النووية استراتيجية حصرية للدفاع عن أوروبا.
لا شيء من هذا الجدل يحصل هذه الأيام. فقدت الولايات المتحدة “جماعاتها” ومريديها في القارة. وقفت كل العواصم رافضة الاندفاع إلى الزجّ بجنودها في حروب سبق أن خاضوها إلى جانب الأميركيين.
كانوا بشكل كلي أو جزئي داخل تحالفات حرب الكويت وحربي العراق وأفغانستان ومكافحة داعش وغيرها. كانت واشنطن لاحظت أن الأمور تغيرت حين حاولت تشكيل تحالف حرب ضد جماعة الحوثي في اليمن. لكنها على الأقل وجدت بريطانيا حليفا تقليديا تاريخيا وحيدا شاركها في العمليات العسكرية ضد الجماعة عام 2024 لمنع إقفال باب المندب في البحر الأحمر.
وصل انهيار العلاقة بين الضفتين إلى درجة أن بريطانيا تمردت وبدت أكثر الدول صقورية في صد سلوك ترامب وتنمره على الغرب عامة. ما فتئ رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يعيد ويكرر ويؤكد أن بريطانيا لن تركب خطايا الماضي ولن تكون دولة تابعة ولن تدخل حربا ليست حربها.
قيد الأوروبيون الحركة العسكرية الأميركية في أوروبا ووضعوا قيودا على الجيش الأميركي في استخدام البنى الأوروبية التحتية، فحتى جورجيا ميلوني رئيسة وزراء إيطاليا وصديقة ترامب المدللة رفضت السماح للمقاتلات الأميركية باستخدام القواعد العسكرية في بلادها.
وصلت العلاقات إلى حدود اليأس. لا أحد في أوروبا يعول على هذا الرجل في البيت الأبيض. فرض عليهم رسوما جمركية كما فرض على خصومه. هدد باحتلال جزيرة غرينلاند. هددهم بسحب المظلات الدفاعية عنهم.
قرأ الصراع الأوكراني قراءة روسية منحازة فضغط على أوكرانيا وراعى مصالح روسيا ومطالبها. وساءت علاقاته الشخصية مع جل زعماء أوروبا على نحو منهجي وجدوا فيه كرها مرضيا غير قابل للشفاء.
لم يهتز موقف الأوروبيين حتى حين عايرهم بمصيبة مضيق هرمز متبرئا من مسؤوليته في إغلاق المضيق والتلويح بالتنصل من إعادة فتحه. يحرّض ترامب الأوروبيين على الانخراط في الحرب ضد إيران- الدولة لفتح “هرمز”، فيما اضطر إلى عقد تفاهمات مع الحوثي-الميليشيا لتأمين الملاحة في باب المندب.
يبحث الأوروبيون في لندن عن تحالف قد يتسع ليطال مساحة مستقلة عن الولايات المتحدة. لسان حالهم يقول لن ننخرط في حرب قررها ترامب وصديقه نتنياهو من دون مشورتنا ولا حتى دعوتنا، ولن نكون ملاذا متأخرا لورطة الحرب في إيران. في غرف القرار تتسلّط الأعين على عقارب الساعة ثانية وراء ثانية بانتظار موعد رحيل ذلك “القدر” عن البيت الأبيض في واشنطن.




