لم تعُد إيران إلى العصر الحجري مساء يوم السابع من ابريل (نيسان) 2026، بل نجح نظام الملالي في تحويل مضيق هرمز، إلى مفاعل جغرافي، خصَّب حظوظ بقاءه.
المهم، أن الرئيس دونالد ترامب، تخلَّص من ورطة “التصعيد العمودي”، أي استخدام أسلحة أكثر قوة وعنفاً، عندما أعلن “تعليق” العمليات العسكرية لمدة أسبوعين. إسلام آباد ساعدته على ذلك.
القنابل النووية التكتيكية أو ربّما استخدام ما يعادل قوتها التدميرية من أسلحة تقليدية، كانت الخيار الوحيد لترامب، لكي يطلق سراح الشعب الإيراني من “الحيوانات” السياسية التي تحكمه، على حد قوله.
هذه المفردة كانت صدى لجملة وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت التي وصف بها الشعب الفلسطيني ب “الحيوانات البشرية”، بعد أحداث السابع من أكتوبر عام 2023.
الاثنان كما يبدو، أي الرئيس والوزير أقاما لفترة مؤقتة في “جزيرة الدكتور مورو” كضيفين، أو ربّما كانا من السكان الأصليين.
إمكانية استخدام “السلاح النووي لتحقيق انتصار حاسم ضد قوة تقليدية”، ليس بالشيء الجديد. هذا احتمال تمَّت دراسته في تسعينيات القرن الماضي. تحديداً، العامين الأخيرين من الولاية الرئاسية الثانية للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون.
المفارقة التاريخية، إن صدام حسين الرئيس العراقي الأسبق، كان قد حذر المجتمع الدولي وبما مفاده “إن إضعاف العراق يعني تعزيز التهديد الإيراني الذي لا يمكن القضاء عليه بعد ذلك إلا بالقنابل النووية”.
التحذير من النووي والطموحات النووية لبعض الدول، دائماً ما كان عصا أمريكية غليظة، تدفع جميع دول العالم، إلى ترديد السردية الأمريكية اللانهائية “إما صديقي وإما عدوي”، وبفضل نعمة الموارد الأمريكية الهائلة فإن هذه السردية ما زالت مؤثِّرة.
هل للحرب نهاية؟
بعضنا يعتبر الإعلان الترامبي عن “التعليق” للعمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، خطوة نحو وقف الحرب.
بعضنا الآخر قد يرى فيها نُسخة مُخفَّفة من هدنة إسرائيل الأولى مع حركة حماس في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2023. استمرت أسبوعاً واحداً فقط.
الباحثان ديفيد سيلفان وستيفن ماجيسكي، يمنحانا القدرة على ترويض آراء الفريقين في كتابهما “آليات الهيمنة الأمريكية”.
اختصاراً وانتقاءً من الاستراتيجيات الأمريكية الثلاث اللواتي اعتبراها الحاكمة للأداء السياسي الخارجي للعم سام، سوف نذكر مصطلح Epochal، والذي يشير ببساطة إلى أن الولايات المتحدة تلقي بثقلها، عندما تجد أن هناك “فرصة تاريخية” قابلة للاستثمار والتطوير في السياسة الخارجية.
فوراً، إذا أسقطنا هذا المصطلح على إيقاف إطلاق النار أو “التعليق” للعمليات العسكرية كما اُسمي، لوجدنا أن إيقاف إطلاق النار، لا يعدو سوى كونه محاولة أمريكية لإعادة تصميم الأدوات العسكرية والإعلامية والدبلوماسية التي فشلت في تحقيق نتائج سياسية لهذه الحرب ضد إيران، قبل استئناف الحرب من جديد.
سيلفان وماجيسكي اطلقا على هذه العملية مصطلح Episodic.
دخول مضيق هرمز في المعادلة، هو من دفع واشنطن إلى محاولة التعديل.
السيناتور الأمريكي عن الحزب الديمقراطي كريس مورفي، والعضو في لجنة الشؤون الخارجية، سلخ جلد الرئيس ترامب على قناة CNN يوم 8 ابريل (نيسان)، بسبب “التعليق” للأعمال العسكرية وهرمز.
قال ما استطيع اختزاله بالعبارة التالية “مضيق هرمز كان يغطُ في النوم قبل الحرب لكن ترامب أيقظه وأرسله إلى ماما طهران التي ألبسته الكاكي”.
ترامب يريد أن ينتقل بالحرب بعد هذا “التعليق” للأعمال العسكرية من “حرب اختيار” إلى “حرب ضرورة”، ليحفِّز العالم، وبالذات دول الخليج العربي، على المشاركة في هذه “الفرصة التاريخية” للولايات المتحدة الأمريكية. أي إسقاط النظام وتفتيت الجغرافيا الإيرانية.
الشروط الأمريكية والإيرانية
الشروط الأمريكية الخمسة عشر التي بدأ الحديث عنها إعلامياً منذ 25 مارس (آذار) الماضي، والشروط الإيرانية العشرة التي سُرِّبت خطوطها العريضة، قبل أقل من 24 ساعة، على نهاية مهلة الرئيس الأمريكي لإيران، لو فُحصت جيّداً من قبل القارئ العزيز، لوجدها مشغولة بمضيق هرمز، أكثر من انشغالها بالنووي، البرنامج الصاروخي، ووكلاء إيران في المنطقة.
الشيء الثاني اللافت في الشروط الخمسة عشر الأمريكية، بأنها عرضت على إيران أمراً يستحق وصفه ب “صفقة القرن لنظام الملالي”.
اتحدث عن سطور البند الذي يتعلق بمحطة بوشهر النووية. كان إشارة إلى استعداد الولايات المتحدة للتعاطي مع نظام الملالي، كما تعاطى الرئيسان الأسبقان ريتشارد نيكسون وجيمي كارتر مع نظام الشاه قبل مجيء نظام الخميني عام 1979.
هذا البند، كان رسالة لبكين وموسكو، بأننا نتفاوض مع طهران على انقلاب شامل في سياساتها الخارجية.
النتيجة التي سعت إليها واشنطن، إبطاء عمل صُفَّارة الإسعاف الاستراتيجي في حسابات هاتين العاصمتين لإيران.
فقط، بعد تعيين مجتبى خامنئي، والذي كان إشارة بأن النظام لن يقفز من سفينة الروس والصينيين، بدأت بكين وموسكو بالنحنحة الاستراتيجية لصالح طهران نوعاً ما.
أعود وأكرِّر ما كُنت قد ذكرته ولعدَّة مرات في قناتي على اليوتيوب لكن باختصار شديد “بدون السلاح النووي والأكراد لن تغرب شمس الملالي في طهران. وحتى إن غُربت فإنها لن تشهد فجراً أمريكياً”.
توقعات ثورية
الوضع السياسي في المنطقة قبل 7 أكتوبر 2023، لم يتغيَّر، أو مازالت الأعوام التي بعده تحمل ثآليل تغيير لا أكثر. بتعبير ليوباردي الطريف وما أذكُر عنه “غيَّر كل شيء قليلاً حتى تجد في الحقيقة أن لا شيء قد تغيَّر”.
المؤكد، إن الرئيس دونالد ترامب سوف يُذكر ك توني بلير الأمريكي!
لن يتم تقييمه Plus Reagan، أي ريغان مُضاعف، وهنا الإشارة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، كما بشَّره السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، إذا ما أعلن الحرب على إيران.
مجلس السلام في غزة سوف يموت واقفاً مثل النبي سليمان. لن يجرؤ أحد على الحديث عن ذلك إلَّا بعد رحيل بنيامين نتنياهو السياسي.
السبب لما تقدَّم بسيط و مكرَّر مثل معدة الجمل “القضية الفلسطينية، الدعم الأمريكي لإسرائيل، وسياسات أمريكية لا تتغيَّر”.
أما الشعوب العربية فاعتقد أن عليها الإيمان، بأن الإسلام السياسي ومليشياته أسلحة دمار شامل للمستقبل العربي، وبأن الشيعة والسنة هما أسماء رمزية في “مسار الحروب الطويلة” التي ترعى بها القوى العظمى منطقة غرب آسيا بحسب إحدى تقارير مؤسسة راند.
والأهم أن إيران دولة قومية لا موقع للمذهب في إعراب مصالحها العُليا.




