آراءإقتصاد
أخر الأخبار

الأمن الطاقي.. والسيادة التدريجية بالمغرب

لقد كشفت التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط، ومعها تقلبات الأسواق الدولية، عن هشاشة البنية الطاقية التقليدية للمغرب

عندما يُثار الحديث عن الأمن الطاقي بالمغرب، لا يحضر فقط سؤال التزود بالطاقة في حياة المواطن اليومية، بل تنبثق معه، على نحو أعمق، إشكالية سيادية تتعلق بقدرة الدولة على ضمان إمدادات مستقرة، مستدامة، وميسورة التكلفة، في عالم تتسارع فيه التحولات وتشتد فيه الاضطرابات الجيوسياسية. ومن رحم هذه الإشكالية، تتفرع أسئلة مركزية:

هل يتوفر المغرب على موارد طاقية كافية؟ وهل يملك القدرة على تأمين استمرارية الإمدادات، حتى في أوقات الأزمات؟ وهل راكم من الإمكانيات ما يمكّنه من امتصاص الصدمات الخارجية دون إنهاك الاقتصاد والأسر؟ ثم، هل يستطيع، على المدى المتوسط والبعيد، بناء سيادة طاقية تُقلّص تبعيته للخارج؟

لقد كشفت التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط، ومعها تقلبات الأسواق الدولية، عن هشاشة البنية الطاقية التقليدية للمغرب. فبلد يستورد ما بين 85% و90% من حاجياته الطاقية، يظل عرضة، بشكل مباشر، لارتدادات الأزمات العالمية، سواء عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز أو من خلال اضطراب سلاسل الإمداد.

وقد تعمّقت هذه الهشاشة مع توقف إمدادات الغاز عبر أنبوب المغرب – أوروبا، بما أبرز حدود الاعتماد على مصادر خارجية غير مستقرة.

غير أن هذا التشخيص، على قسوته، لا يلغي ما راكمه المغرب من عناصر قوة استراتيجية. فقد نجح، خلال العقدين الأخيرين، في ترسيخ موقعه كفاعل صاعد في مجال الطاقات المتجددة، مستفيدًا من مؤهلاته الطبيعية، خاصة في مجالي الطاقة الشمسية والريحية، كما تجسده مشاريع كبرى من قبيل مجمع نور ورزازات للطاقة الشمسية.

ويعزز هذا المسار موقع جغرافي استراتيجي، واستقرار سياسي نسبي، يتيحان للبلاد التموقع كشريك موثوق في التحولات الطاقية الإقليمية والدولية.

ومع ذلك، فإن الانتقال من الهشاشة إلى السيادة الطاقية لا يمكن أن يتحقق بالرهان على رافعة واحدة. فالمقاربة الناجعة تقتضي تنويعًا حقيقيًا لمصادر التزود، عبر توسيع الشراكات لتشمل فضاءات متعددة، من الولايات المتحدة إلى إفريقيا جنوب الصحراء، مرورًا بأوروبا، خاصة في مجال الغاز الطبيعي المسال، بما يضمن مرونة أكبر في مواجهة الأزمات.

وفي السياق ذاته، يظل تسريع وتيرة الاستثمار في البنيات التحتية المرتبطة بالغاز المسال خيارًا استراتيجيًا، من خلال إنشاء محطات استقبال وربطها بالشبكة الكهربائية الوطنية. كما يشكل تطوير قدرات التخزين، سواء عبر البطاريات أو من خلال مشاريع الهيدروجين الأخضر، خطوة حاسمة لتعزيز استقلالية المنظومة الطاقية.

أما الهيدروجين الأخضر، فيمثل أفقًا واعدًا يتجاوز مجرد تنويع مصادر الطاقة، ليضع المغرب ضمن خارطة المنتجين العالميين للطاقة النظيفة. فبفضل إمكانياته الطبيعية وموقعه الجغرافي، يمكن للبلاد أن تتحول من مستورد للطاقة إلى مصدر لها، في إطار إعادة تشكيل الخريطة الطاقية العالمية.

غير أن تحقيق الأمن الطاقي لا يمر فقط عبر العرض، بل يتطلب أيضًا ثورة هادئة في أنماط الاستهلاك. فترشيد استعمال الطاقة، في الإدارة والصناعة والنقل وداخل المنازل، يظل من أنجع السبل وأقلها تكلفة لتعزيز التوازن الطاقي. إذ إن “أرخص طاقة هي تلك التي لا تُستهلك”.

إن الأمن الطاقي، في نهاية المطاف، ليس مجرد قطاع اقتصادي، بل هو ورش سيادي بامتياز، يفرض إعادة ترتيب الأولويات، وتعبئة الموارد، وتطوير دبلوماسية طاقية نشطة تجعل من الطاقة محورًا في العلاقات الدولية. فالعالم اليوم لا يُدار فقط بمنطق القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضًا بمنطق التحكم في مصادر الطاقة ومسالكها.

وعليه، فإن بناء سيادة طاقية مغربية لن يتحقق دفعة واحدة، بل عبر مسار تراكمي قائم على ثلاث دعائم متكاملة: تنويع المصادر، تعميق الاستثمار، وترسيخ سيادة تدريجية. ففي هذا التدرج تكمن واقعية الرهان، وفي هذا التوازن يتحدد أفق الاستقلال والاستقرار.

https://anbaaexpress.ma/xkvn7

الحسين بوخرطة

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى