الشرق الأوسطتقارير
أخر الأخبار

يوم الأرض الفلسطيني.. صمود الأمة في مواجهة الاحتلال ومحاولات تهويد الهوية

تأتي ذكرى يوم الأرض وسط ظروف سياسية وأمنية معقدة، تتداخل فيها أبعاد الصراع على الأرض مع أبعاد الصراع على الهوية..

د. منصور أبو كريم

يُعدّ يوم الأرض مناسبة وطنية خالدة في الوعي الفلسطيني، يحييها الشعب الفلسطيني في الثلاثين من آذار (مارس) من كل عام، تخليدًا لذكرى أحداث 1976 في الجليل، حين صادرت السلطات الإسرائيلية مساحات واسعة من أراضي الفلسطينيين.

لم تكن تلك المصادرات مجرد إجراءات إدارية، بل كانت استهدافًا مباشرًا لعمق الوجود الفلسطيني على الأرض؛ إذ أدّت إلى اندلاع احتجاجات واسعة شارك فيها آلاف الفلسطينيين، سقط خلالها عدد من الشهداء، وأُصيب المئات، ما جعل هذا اليوم محطة مفصلية في تاريخ النضال الوطني.

منذ ذلك الحين، ارتبط يوم الأرض في الوجدان الفلسطيني بالقضية الأساسية التي تجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل: الأرض ليست مجرد ملكية، بل جوهر الوجود والهوية.

لقد جسّد هذا اليوم وحدة الفلسطينيين في الداخل والخارج، مسقطًا الفواصل الجغرافية والسياسية، ومؤكدًا على أن الأرض والهوية مرتبطان ارتباطًا لا انفصال له، وأن التمسك بالأرض هو التمسك بالوجود والكرامة.

الأرض والهوية: علاقة تاريخية تمتد عبر الأجيال

يمثل يوم الأرض أكثر من مجرد ذكرى تاريخية؛ فهو رمز حي لقيم الصمود والمقاومة والوفاء للأرض. ففي كل عام، يتجدد هذا الالتزام في الميادين والقرى والمدن الفلسطينية، عبر فعاليات ومسيرات، وشعارات تجسد وعيًا عميقًا بأن الأرض ليست فقط تربة تُزرع وتُسكن، بل ذاكرة جماعية تُحفظ، وتراث يُصان، وقصيدة تروى عبر الأجيال.

هذا الوعي متجذر في ثقافة فلسطينية عميقة توثق ارتباط الإنسان بأرضه منذ قرون، من أشجار الزيتون في الجبال التي ترمز للصمود والعطاء، إلى الأغاني والحكايات الشعبية التي تحكي عن الكفاح في مواجهة التحديات.

إن التراث والأرض مترابطان؛ فالأغنية الشعبية تروي قصة النبتة التي تزهر رغم القصف، والقصيدة الوطنية تخلّد روح الإنسان الذي يقف أمام آلة التهويد بنظرة لا تنكسر.

سياق معاصر: الاحتلال والحرب على الهوية

في السياق الراهن، تأتي ذكرى يوم الأرض وسط ظروف سياسية وأمنية معقدة، تتداخل فيها أبعاد الصراع على الأرض مع أبعاد الصراع على الهوية. فالحرب العسكرية على قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان في الضفة الغربية، ومحاولات تهويد الأرض والسيطرة على الموروث الثقافي والحضاري الفلسطيني، ليست مجرد استراتيجيات لتوسيع السيطرة الجغرافية فحسب، بل هي محاولة لشطب الوجود الفلسطيني نفسه.

هذه السياسات تستهدف الترابط التاريخي والثقافي الذي يربط الشعب الفلسطيني بأرضه، إذ يحاول الاحتلال تفكيك الروابط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية من خلال:

توسيع المستوطنات وطرد السكان، مما يبدّد النسيج المجتمعي الفلسطيني.

تدمير المواقع التراثية في مدن مثل غزة والقدس القديمة.

إضعاف المؤسسات الثقافية والتعليمية التي تنقل الذاكرة الوطنية للأجيال القادمة.

في هذا الإطار، أصبح يوم الأرض ليس فقط مناسبة لتذكر الماضي، بل مناسبة لاستعادة الوعي بمدى ارتباط الأرض بالهوية والثقافة والمستقبل؛ فهو يواجه محاولات تغييب الذاكرة، ويؤكد أن الدفاع عن الأرض هو دفاع عن القصة التي تُروى بالأغاني، وعن اللغة التي تُنطق بالكرامة، وعن الحق الذي لا يُقاس فقط بالمساحة.

درس يوم الأرض للأجيال الجديدة

يشكل يوم الأرض درسًا حيًا للأجيال الشابة حول أهمية الوحدة الوطنية والتضامن في مواجهة محاولات الاستيلاء على الأرض والهوية.

فهو يبرز أن الحفاظ على التراث الثقافي والموروث الحضاري ليس مهمة إضافية، بل ضرورة استراتيجية للحفاظ على بقاء الأمة. فالهوية والثقافة ليست رموزًا جامدة، بل قوة ناعمة تُغذي الصمود وترسّخ الوعي بمستقبل مشترك.

إن الثقافة الفلسطينية – بما تشمل من موسيقى، وأدب، وفنون، وشعائر اجتماعية – تشكل سلاحًا معنويًا في مواجهة محاولات التهميش والتهويد. وهو سلاح يستمد قوته من التاريخ، ومن الإنسان الفلسطيني الذي يرى في كل حجر مزروع، وفي كل قصيدة مقاومة، معنى لحياته ووجوده على هذه الأرض.

يوم الأرض: ما بعد الذكرى.. نحو المستقبل

إن يوم الأرض هو رمز حيّ للحق الفلسطيني في الأرض والهوية والثقافة. إنه تذكير دائم بأن الصمود والثبات هما السبيل للحفاظ على هذا الحق، وأن الدفاع عن الأرض يتطلب أيضًا الدفاع عن الذاكرة، والهوية، والتراث.

وفي مواجهة التحديات الراهنة – من الحرب على غزة إلى تصاعد الاستيطان في الضفة، ومن محاولات التهجير إلى التجريف الثقافي – يظل الشعب الفلسطيني ملتزمًا بإحياء هذا اليوم بروح المقاومة والعزيمة، مع الاستمرار في حماية حقوقه الوطنية وصون إرثه الثقافي والحضاري، لضمان نقل هذا الإرث لأجيال المستقبل، والحفاظ على هويته الوطنية في وجه كل محاولات النفي والإقصاء.

* باحث فلسطيني في الشؤون السياسية 

https://anbaaexpress.ma/7cpps

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى